د. علي بن عالي السعدوني
في عالم السياسة لا تُقاس الانتصارات بعدد البيانات الصاخبة، ولا بحجم التصريحات المتبادلة، وإنما تُقاس بقدرة الدولة على تحويل مصالحها الوطنية إلى وقائع سياسية يعترف بها الجميع، وبمقدار ما تستطيع أن تنتزع من القوى الكبرى قراراتٍ كانت تبدو في الأمس القريب بعيدة المنال، وبما تنجح في تحقيقه من مكاسب استراتيجية تُعيد رسم خرائط النفوذ وتغيّر اتجاهات التوازن في الإقليم، وهي المعاني التي باتت تتجلى بصورة واضحة في السياسة السعودية التي تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ حضورها لاعبًا دوليًا مؤثرًا يمتلك من أدوات التأثير ما يجعله شريكًا رئيسًا في صناعة القرار الإقليمي والدولي.
لقد كشفت التطورات الأخيرة أن المملكة لم تعد تتحرك داخل الإطار التقليدي للعلاقات الدولية، وإنما أصبحت تتعامل مع الملفات الكبرى بمنهج يقوم على تحقيق المصالح الوطنية وفق رؤية مستقلة، وعلى بناء الشراكات مع القوى الدولية بما يخدم أمنها واستقرارها ومستقبلها التنموي، وبما يجعل القرار السعودي نابعًا من حساباته الاستراتيجية الخاصة بعيدًا عن الضغوط التي طالما حاولت فرض معادلات سياسية راسخة على المنطقة طوال عقود مضت الأمر الذي منح الدبلوماسية السعودية مساحة واسعة للحركة، وقدرة أكبر على تحقيق أهدافها دون أن تتخلى عن ثوابتها الأساسية.
ويبدو أن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة ليس مجرد تحقيق مكاسب متفرقة، وإنما نجاح المملكة في فرض واقع سياسي جديد أصبحت فيه المصالح السعودية تُناقش بوصفها أولوية مستقلة، وأصبحت القرارات الكبرى المتعلقة بالمنطقة تُبنى على قراءة للدور السعودي بوصفه عنصرًا رئيسًا في تحقيق الاستقرار، وبوصفه شريكًا قادرًا على صناعة الحلول لا مجرد طرف يتفاعل مع الأحداث، وهي نقلة تعكس حجم التحول الذي شهدته السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة.
أما الملف السوري فإنه يمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التحول؛ لأن إعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي لا تعني مجرد رفع عقوبات اقتصادية، وإنما تعني فتح الباب أمام مرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة السورية قدرتها على الحركة الاقتصادية والسياسية، وتبدأ في استعادة مؤسساتها ودورها الإقليمي بما ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها، ويمنح المملكة فرصة أوسع لبناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة، وأكثر استقلالًا في صناعة مستقبل الشرق الأوسط.
كما أن أي تقدم يتحقق في مسار العلاقات الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة، سواء في مجالات التقنية المتقدمة أو الطاقة أو الاستخدامات السلمية للتقنيات النووية يعكس مستوى الثقة المتبادلة بين البلدين، ويؤكد أن المملكة أصبحت شريكًا يُنظر إليه باعتباره ركيزة للاستقرار الإقليمي، وصاحب رؤية واضحة لمستقبل المنطقة، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للتأثير في الملفات الكبرى التي تمس أمن الشرق الأوسط واقتصاده ومستقبل شعوبه.
لقد تجاوزت الدبلوماسية السعودية مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة التوازنات، وأصبحت تتحرك برؤية بعيدة المدى، وبحسابات دقيقة، وبهدوء يسبق النتائج، وبثقة تُراكم الإنجازات دون الحاجة إلى صخب سياسي؛ لأن الدول الواثقة من مكانتها لا تنشغل بإثبات حضورها، وإنما تجعل الوقائع وحدها تتحدث عنها، وتجعل الإنجازات الميدانية والسياسية أبلغ من آلاف الخطب والشعارات.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي جديد، تبدو المملكة العربية السعودية أحد أبرز مهندسيه ليس لأنها تمتلك عناصر القوة الاقتصادية والسياسية فقط، وإنما لأنها نجحت في توظيف تلك القوة لبناء جسور الحوار، وتعزيز الاستقرار، وتوسيع دوائر الشراكة، وصناعة معادلات جديدة تقوم على احترام السيادة، وتحقيق المصالح المشتركة، وإيجاد حلول عملية للقضايا المعقدة، وهي السياسة التي تجعل الرياض اليوم مركزًا تتجه إليه الأنظار كلما تعقدت الأزمات، وكلما أصبح البحث عن الحلول أكثر إلحاحًا.