أمل حمدان الشريف
ما دام الجسد معافى، يظن الإنسان أن الحياة تُقاس بما يملك، وبما يحقق، وبما يحيط به من مظاهر القوة والنجاح. لكنه لا يدرك أن الأيام تُخفي اختبارًا لا ينجو منه أحد؛ اختبارًا تتراجع فيه قدرة الجسد، وتسقط أوهام الاكتفاء، وتنكشف فيه حقيقة ما جمعه الإنسان طوال عمره.
في تلك اللحظة، لا يسأل المريض عن رصيده، ولا عن ألقابه، ولا عن حجم شهرته؛ بل يبحث بعينيه عن وجهٍ يحبّه، ويدٍ تربت على كتفه، وقلبٍ يدعو له بصدق. هناك فقط تتبدل موازين الحياة، وتنكشف القيمة الحقيقية لكل اختيار صنعناه ونحن في كامل قوتنا.
أعظم استثمار في الحياة ليس ما نودعه في المصارف، بل ما نودعه في القلوب. زوجة صالحة تجعل من الألم طمأنينة، وأبناء بررة يردّون الجميل بالإحسان، ورفقة صادقة لا تفرّقها الشدائد، ثم صلة راسخة بالله، هي وحدها التي تمنح القلب يقينًا حين تضيق الأسباب، وسكينةً حين يعجز الطب عن تفسير راحةٍ يفيض بها الإيمان. ولعل أقسى ما يتعلّمه الإنسان متأخرًا أن الصحة ليست وعدًا دائمًا، وأن القوة ليست إقامةً أبدية، وأن الجسد الذي حمل أحلامه سنين طويلة قد يعلن يومًا عجزه في لحظة لا موعد لها.
عندها، لن يبقى معه إلا ما أحسن غرسه في حياته، وما قدّمه من خير، وما شيّده من علاقات قامت على الوفاء لا على المصلحة.
إن الحياة لا تمتحننا فيما نملك ونحن أقوياء، بل فيما يبقى معنا حين نصبح ضعفاء. ولذلك فإن حسن الاختيار ليس رفاهية اجتماعية، بل قرار مصيري، يحدد شكل أيامنا عندما تتغير الأحوال، وتفقد الأجساد بعض قدرتها، ويبقى الإنسان محتاجًا إلى قلب يؤنسه، ويدٍ تسنده، وربٍّ لا يخيب من لجأ إليه.
لهذا… ابنِ حياتك على ما يبقى، لا على ما يزول. فالمال قد يفارقك، والمناصب قد تُسلب، والأضواء قد تنطفئ، أما العمل الصالح، والقلوب التي أحسنت إليها، وصلتك بالله، فهي الثروة الوحيدة التي تزداد قيمة كلما تقدّم العمر، وتبقى سندًا حين يخذل الجسد صاحبه.