أحمد الأسمري
إعلان المملكة مبادرتها لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، يشكّل حلقة جديدة في سياسة سعودية راسخة، تقوم على جمع الإمكانات حول هدف واضح، وبناء تحالفات تنتقل بالأفكار والبيانات إلى مستوى الأفعال.
فلا تقتصر قوة الدولة المؤثرة على ما تملكه من السلاح وحده، وإنما تمتد إلى قدرتها على جمع الحلفاء وتوحيد مواقفهم، وتحويل المخاطر المشتركة إلى قوة منظمة. وفي هذا الميدان، صنعت المملكة خلال العقود الأخيرة نموذجاً لافتاً، مستندة إلى ثقلها السياسي، وموقعها الاستراتيجي، والثقة الدولية بها.
ظهر ذلك بعد الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990. يومها كانت السعودية قلب التحرك السياسي والعسكري، واحتضنت على أرضها القوات المشتركة والمتحالفة، وتحولت قواعدها وموانئها ومطاراتها إلى منطلق لقوة ضخمة طردت قوات الاحتلال، واستعادت الكويت، وحمت خرائط الدول وموازين القوى من العبث.
كانت استضافة ذلك الحشد العسكري قراراً تاريخياً حافظ على أمن الخليج، ووقف أمام محاولات التوسع وفرض الهيمنة. وأثبتت المملكة بذلك أن موقعها لا يجعلها في قلب الأحداث فحسب، بل يمنحها القدرة على إعادة توجيه مسارها، وصناعة التوازنات اللازمة للتعامل معها.
وفي مارس 2015، انتقلت المملكة من استضافة التحالفات الكبرى إلى قيادتها المباشرة، فأطلقت «عاصفة الحزم» ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن. وبعد أسابيع، قال الأمير محمد بن سلمان عبارته الشهيرة: إن المملكة «أول دولة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية تنجح في إقامة تحالف عسكري مكوّن من عدة دول خلال السبعين سنة الأخيرة».
ما يميز التحالفات التي تقودها السعودية أنها لا تقوم على تجميع الأسماء أو استعراض الأعلام، بل على شرعية سياسية، وهدف محدد، وتكامل في الأدوار. فالقوة العسكرية تحتاج إلى غطاء سياسي، والعمل الميداني يحتاج إلى تعاون استخباراتي، واستمرار التحالف يحتاج إلى قيادة مقتدرة تجمع المصالح المختلفة في مسار واحد.
وفي ديسمبر من العام نفسه، أعلنت الرياض التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، وجمعت عشرات الدول الإسلامية في إطار يتجاوز المواجهة العسكرية إلى محاربة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه والتنسيق الإعلامي. وإلى جانبه، واصلت المملكة دورها شريكاً فاعلاً في التحالف الدولي ضد «داعش»، واستضافت اجتماعاته، وأسهمت في مجالاته العسكرية والأمنية والمالية والفكرية.
واليوم يتجدد المشهد مع التحالف البحري الجديد، لحماية خطوط التجارة والطاقة في واحد من أخطر الممرات المائية في العالم؛ فاضطراب البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يبقى محصوراً على شواطئه، بل تمتد آثاره إلى أسعار الخدمات والسلع، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية.
ومن تحرير الكويت، إلى دعم الشرعية في اليمن، ومواجهة الإرهاب، وحماية الممرات البحرية، برهنت المملكة أنها إلى جانب قدرتها على الدفاع عن النفس، تمتلك فائضاً من النفوذ يمكّنها من صناعة التحالفات العسكرية الفاعلة.