د. محمد بن أحمد غروي
الألعاب الإلكترونية بالنسبة للدول لم تعد نشاطًا ترفيهيًا يقتصر على فئة الشباب، وإنما أصبحت إحدى الصناعات الرقمية الأسرع نموًا في الاقتصاد العالمي، وتتنافس الدول على استقطاب استثماراتها، وتطوير كوادرها، وبناء منظوماتها التشريعية، كونه قطاعًا يجمع بين التقنية والإبداع وريادة الأعمال والصادرات الرقمية، وفي جنوب شرق آسيا تحديدًا، تتسارع المنافسة على بناء اقتصاد الألعاب كأحد محركات النمو الجديدة، فيما تبدو تايلاند من أكثر الدول التي تعاملت مع هذا القطاع كسياسة اقتصادية متكاملة.
ويعكس حجم السوق الإقليمي أسباب هذا التحول؛ إذ تشير تقديرات الصناعة إلى أن قيمة سوق الألعاب في جنوب شرق آسيا قاربت 15 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، مع وجود نحو 290 مليون لاعب، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد 330 مليون لاعب بحلول عام 2028، بما يقترب من نصف سكان المنطقة، وتكشف الأرقام توسعًا في قاعدة المستخدمين، فضلًا عن نشوء اقتصاد رقمي متكامل يشمل تطوير البرمجيات، وصناعة المحتوى، والرياضات الإلكترونية، والبث الرقمي، والتسويق، والخدمات التقنية المساندة.
انطلقت تايلاند من قناعة مفادها أن القيمة الاقتصادية تتحقق من إنتاج الألعاب وليس من استهلاكها، لذلك اتجهت الحكومة إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتشريع، مرورًا بتنمية رأس المال البشري، ووصولًا إلى جذب الشركات العالمية وربطها بالمطورين المحليين، كما اعترفت رسميًا بالرياضات الإلكترونية كرياضة احترافية، وخصصت نحو ثلاثة ملايين دولار لتطوير الرياضيين الرقميين، بينما تعمل وزارة الاقتصاد الرقمي والمجتمع على ربط الاستثمارات العالمية بالمواهب التايلاندية، ودعم الشركات الناشئة، وتهيئة الشباب لدخول وظائف الاقتصاد الرقمي.
ولا يقف الرهان التايلاندي عند حدود حجم السوق المحلي، الذي بلغ نحو 1.5 مليار دولار في عام 2024، وإنما يمتد إلى بناء صناعة قابلة للتصدير، فقد أصبحت تايلاند ثاني أكبر مركز لتطوير الألعاب في جنوب شرق آسيا، ووصل عدد الألعاب المطورة محليًا إلى 158 لعبة منشورة على منصة Steam، بما يمثِّل نحو 20 % من إجمالي الألعاب المطورة في المنطقة، ويعكس ذلك نجاح نموذج يجمع بين التعليم المتخصص، والشراكة مع القطاع الخاص، والدعم الحكومي، وحاضنات الابتكار.
لذلك لم يكن مستغربًا أن يصف رئيس الوزراء التايلاندي صناعة الألعاب بـ «المحرك الاقتصادي الجديد»، مؤكدًا قدرتها على خلق وظائف مرتفعة الدخل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة تايلاند مركزًا إقليميًا لصناعة الألعاب، ويأتي استضافة Gamescom Asia x Thailand Game Show ضمن هذه الرؤية، وهي منصة عالمية لاستقطاب المستثمرين والناشرين والمطورين وربطهم بالسوق التايلاندية.
وربما تكمن أهم دلالات التجربة التايلاندية في نظرتها إلى الألعاب الإلكترونية بتوصيفها صناعة معرفية قادرة على إنتاج قيمة مضافة ووظائف نوعية وصادرات رقمية، فالدول التي ستقود الاقتصاد الرقمي في العقود المقبلة ستكون الأكثر قدرة على تحويل الإبداع والتقنية إلى صناعة وطنية ذات تنافسية عالمية.