عمرو أبوالعطا
ليس صحيحاً أن المسرح في السعودية كان مجرد «حدث عابر»، أو خشبة نبتت في فراغ ثقافي، فالحقيقة أنه قام على تقديس «الكلمة» في أبهى تجلياتها، ما دفع الشعر إلى التمرد على سجن الدواوين، والبحث عن خلوده في فضاء المشهد. وفى الكل لم يكن مغادرة القصيدة لصفحاتها إلا رفضاً لبقاء الصوت منفرداً، وانتقالاً به إلى حيث التعدد والحوار وحرارة الفعل الإنساني، وهو واضح فى مسيرة هذا الفن الجليلة، خصوصاً في كونه البوابة الكبرى التي عبرت منها الهوية السعودية إلى رحاب الحياة الثقافية الحديثة. مع بدايات القرن العشرين، كانت المملكة تشهد تحولات كبرى رافقت مشروع التوحيد وبناء الدولة الحديثة. وفي ظل هذه التحولات أخذت الحياة الثقافية تبحث عن أدوات جديدة للتعبير عن طموحات المجتمع وتطلعاته. ولم تكن المؤسسات المسرحية قد تشكلت بعد بالصورة المعروفة، كما أن الخشبة المسرحية ظلت محدودة الحضور، الأمر الذي جعل النص المسرحي نفسه يقوم مقام العرض. وهكذا نشأ ما يمكن وصفه بالمسرح الذهني أو المسرح المقروء، حيث يتخيل القارئ الشخصيات والأحداث والمشاهد من خلال الكلمة المكتوبة، فيصبح النص هو الخشبة والممثل والجمهور في آن واحد.
وفي هذا المناخ ظهرت الإرهاصات الأولى للمسرح الشعري السعودي. وكانت تلك المحاولات المبكرة انعكاسًا لحالة من الوعي الثقافي المتنامي، ورغبة لدى الشعراء في تجاوز حدود القصيدة الغنائية التقليدية نحو أشكال أكثر قدرة على استيعاب الصراع والحوار والحركة. ولم يكن الأمر سهلًا، فالشاعر المعتاد على التعبير الذاتي وجد نفسه مطالبًا ببناء شخصيات مستقلة عنه، وابتكار أحداث تتطور أمام المتلقي، وصياغة حوار يخدم الفعل الدرامي لا مجرد الجمال اللغوي.
ومن بين أوائل الأسماء التي خاضت هذه المغامرة الأدبية الشاعر فؤاد الخطيب (لبناني الأصل، عاش في الحجاز)، الذي أصدر عام 1912 مسرحيته الشعرية «فتح الأندلس». وقد مثل هذا العمل إحدى البدايات المؤسسة للمسرح الشعري في المملكة، إذ استعاد الخطيب من خلاله واحدة من أكثر صفحات التاريخ العربي والإسلامي إشراقًا.
غير أن الاسم الذي ارتبط أكثر من غيره بتأسيس المسرح الشعري السعودي هو حسين عبد الله سراج، الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الحقيقي للمسرحية الشعرية في المملكة والخليج العربي بأسره. ففي عام 1932 كتب مسرحيته «الظالم نفسه»، وهي المسرحية التي ينظر إليها كأول نص مسرحي سعودي متكامل من حيث الشروط الفنية والبناء الدرامي.
جاءت هذه التجربة في مرحلة كان المسرح الشعري العربي يعيش أصداء تجربة أحمد شوقي في مصر، إلا أن سراج حاول أن يمنح تجربته خصوصيتها المحلية. فقد انشغل بقضايا الإنسان والمجتمع، وسعى إلى توظيف الشعر في خدمة الفكرة الدرامية، لا أن يجعل الدراما مجرد إطار للقصيدة. ومن هنا اكتسبت «الظالم نفسه» قيمتها التاريخية والفنية، لأنها أعلنت ميلاد شكل جديد من أشكال التعبير الأدبي السعودي.
في عام 1943 أصدر مسرحية «جميل وبثينة»، مستعيدًا واحدة من أشهر قصص الحب العذري في التراث العربي. فتحولت القصة إلى دراما إنسانية تتقاطع فيها العاطفة مع السلطة الاجتماعية، ويصطدم فيها الحلم الفردي بسطوة الأعراف والتقاليد. وهكذا انتقلت شخصيات التراث من فضاء الرواية الشعرية إلى فضاء الصراع المسرحي.
ثم جاءت مسرحية «غرام ولادة» عام 1952 لتؤكد نضج مشروعه المسرحي. ففي هذا العمل عاد سراج إلى الأندلس، مستلهمًا قصة ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، لكنه لم يتوقف عند حدود العلاقة العاطفية بين الشخصيتين، وجعلها نافذة للتأمل في التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الأندلس في أواخر أيامها. وقد اكتسبت المسرحية أهمية خاصة حين صدرت في مصر وقدم لها الأديب الكبير محمود تيمور، وهو ما عُد اعترافًا عربيًا مبكرًا بقيمة التجربة السعودية وقدرتها على الحضور في المشهد الثقافي العربي الأوسع.
واستمرت مسيرة سراج بعد ذلك لعقود طويلة، فأصدر مسرحية «الشوق إليك» عام 1974 (حيث إن طبعة تهامة كانت في 1982)، مؤكدًا أن التزامه بالمسرح الشعري لم يكن نزوة عابرة، بل مشروعًا أدبيًا متكاملًا امتد عبر نصف قرن تقريبًا.
ولم يكن من المصادفة أن تنطلق معظم هذه التجارب من الحجاز. فمكة المكرمة وجدة كانتا آنذاك من أكثر مناطق المملكة انفتاحًا على التيارات الثقافية العربية، بحكم موقعهما الديني والتجاري وصلاتهما المستمرة بالمراكز الفكرية في مصر والشام. وقد هيأت هذه البيئة المناخ الملائم لنشوء المسرح الشعري واحتضان تجاربه الأولى.
وهكذا كانت العقود الأولى من تاريخ المسرح الشعري السعودي بمثابة مرحلة تأسيس حقيقية، وضعت اللبنات الأولى لهذا الفن، ورسخت قناعة بأن القصيدة قادرة على أن تتجاوز حدود الإنشاد والغناء لتصبح فعلًا دراميًا حيًا، وأن الشعر السعودي يمتلك من الحيوية والمرونة ما يؤهله لدخول أكثر الأجناس الأدبية تعقيدًا وإثارة.
ومع انقضاء مرحلة التأسيس ودخول المملكة عقود الخمسينيات والستينيات وما بعدها، بدأت التجربة المسرحية الشعرية السعودية تتجاوز حدود الريادة الفردية إلى مرحلة أكثر نضجًا واتساعًا. ولم يعد السؤال المطروح آنذاك هو إمكانية كتابة المسرحية الشعرية من عدمها، بل أصبح البحث منصبًا على تطوير أدواتها الفنية وتعميق مضامينها الفكرية، وصياغة رؤية سعودية خاصة تنبع من البيئة المحلية ومن القيم العربية والإسلامية التي شكلت وجدان المجتمع.
وظل حسين عبد الله سراج في قلب هذه المرحلة، بوصفه الاسم الأبرز والأكثر حضورًا. فقد اتسمت أعماله اللاحقة بقدرة أكبر على رسم الشخصيات وبناء الصراع الدرامي. وفي «غرام ولادة» على وجه الخصوص لم تكن الأندلس مجرد خلفية تاريخية للأحداث، بل تحولت إلى فضاء رمزي يختلط فيه الحب بالسياسة، ويتجاور فيه الجمال مع التوترات الاجتماعية والفكرية. ومن خلال هذا التوظيف الذكي للتاريخ أثبت سراج أن المسرح الشعري قادر على أن يكون أداة لتحليل الواقع الإنساني، لا مجرد استعراض بلاغي أو لغوي.
وإلى جانب سراج ظهرت أسماء أخرى حاولت أن تثري هذا المسار. فقد قدم أحمد قنديل محاولات مسرحية حملت شيئًا من حسه النقدي والاجتماعي المعروف، بينما اتجه حسن عبد الله القرشي إلى استلهام اللحظات التاريخية والإسلامية الكبرى في مسرحيته «ثنيات الوداع»، موظفًا لغة شعرية تتسم بالعذوبة والرهافة، ومستحضرًا أحداثًا وشخصيات تركت أثرها في الذاكرة الإسلامية. كما سجل كل من محمد سعيد الخنيزي وسعد البواردي وفؤاد شاكر حضورًا في هذا المجال، وإن جاء حضورهم محدودًا مقارنة بتجارب الرواد الكبار، لكنه ظل شاهدًا على استمرار الاهتمام بالمسرح الشعري بوصفه أحد أشكال التعبير الأدبي الرفيعة.
ومن خلال هذه الأعمال تشكلت خريطة زمنية للمسرح الشعري السعودي بدأت بـ«فتح الأندلس» لفؤاد الخطيب عام 1912، ثم «الظالم نفسه» لحسين سراج عام 1932، و«جميل وبثينة» عام 1943، عام 1947، و«غرام ولادة» عام 1952، و«ثنيات الوداع» لحسن القرشي، ثم «ملحمة القدس» لحسن باجودة، و«صابر» لعلي آل عمر عسيري (وهي مسرحية شعرية للنشء صدرت عام 1995)، وصولًا إلى «سراة الشعر والكهولة» لصالح زمانان في القرن الحادي والعشرين. وتكشف هذه الأعمال، على اختلاف أزمنتها وموضوعاتها، عن ميل واضح إلى استلهام التاريخ والتراث والسيرة الإسلامية، مع حضور متفاوت للقضايا الاجتماعية والفكرية والرمزية.
وكانت السمة الفنية الغالبة على هذه المرحلة هي الالتزام بالشعر العمودي التقليدي. فقد رأى معظم الشعراء أن الوزن والقافية جزء لا يتجزأ من هوية المسرحية الشعرية، وأن التخلي عنهما يعني فقدان أحد أهم عناصر الجمال الفني. ومع ذلك بدأت بعض النصوص تمنح الحوار الدرامي مساحة أوسع للحركة، في محاولة للتخفيف من هيمنة الغنائية التي ظلت تمثل التحدي الأكبر أمام هذا الفن. فالمسرح بطبيعته قائم على الصراع والفعل والتطور، بينما يميل الشعر الغنائي إلى التأمل والتوقف عند اللحظة الشعورية. ومن هنا كان على الشعراء أن يبحثوا عن توازن دقيق بين الشاعر الكامن في داخلهم والكاتب المسرحي الذي يتطلبه النص.
ولعل من أبرز الظواهر التي طبعت تلك المرحلة أن كثيرًا من المسرحيات الشعرية السعودية عاشت في فضاء القراءة أكثر مما عاشت فوق الخشبة. فقد أدى غياب المسارح المجهزة وضعف البنية التحتية المسرحية إلى تحول النصوص إلى ما يشبه «المسرح الذهني» أو «المسرح المقروء». وكان القارئ يتخيل الشخصيات والمشاهد والحركات من خلال اللغة وحدها، الأمر الذي منح الكتاب حرية واسعة في بناء العوالم الدرامية، لكنه أبقى كثيرًا من الأعمال بعيدة عن اختبار العرض الحي الذي يمثل المحك الحقيقي لأي نص مسرحي.
وفي خضم هذه المسيرة برز اسم الأستاذ الدكتور حسن محمد باجودة بوصفه صاحب التجربة الأضخم والأكثر تميزًا في تاريخ المسرح الشعري السعودي الحديث. فقد كرس جانبًا كبيرًا من حياته الأدبية لمشروع متكامل حمل عنوان «مجد الإسلام»، سعى من خلاله إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي في قالب مسرحي شعري ملحمي. كان مشروعه رؤية فكرية وأدبية متكاملة أرادت أن تجعل من المسرح الشعري وسيلة لإحياء الوعي بالتاريخ واستلهام قيمه في مواجهة تحديات الحاضر.
وفي أعماله، وعلى رأسها «ملحمة القدس الشريف ـ معركة حطين»، تتجلى قدرة لافتة على المزج بين الدقة التاريخية والبناء الدرامي. فالأحداث لا تُسرد كوقائع جامدة، وإنما تتحول إلى صراعات إنسانية وفكرية تتواجه فيها الإرادات والمبادئ. ويظهر صلاح الدين الأيوبي في هذه الأعمال رمزًا للوحدة والنهضة والتحرر، فيما تتحول القدس إلى رمز حضاري يتجاوز حدود المكان والزمان.
كما اتسمت لغة باجودة بدرجة عالية من الفخامة والجزالة، حتى بدت بعض نصوصه امتدادًا للملاحم الشعرية الكبرى في التراث العربي. وقد منح هذا الأسلوب أعماله هيبة خاصة تتناسب مع طبيعة الموضوعات التي يتناولها. وفي الوقت نفسه اعتمد على حوارات طويلة تتخذ أحيانًا شكل المناظرات الفكرية والعقدية، مما جعل بعض النقاد يصنفون أعماله ضمن المسرح الذهني الذي يخاطب العقل بقدر ما يخاطب الوجدان.
كانت أهمية باجودة في إصراره على مواصلة الكتابة للمسرح الشعري في وقت انصرف فيه كثير من المبدعين إلى الرواية أو الشعر الحر أو أشكال الكتابة الحديثة. ولذلك بقي مشروعه شاهدًا على قدرة هذا الفن على الاستمرار والتجدد، حتى في أكثر الفترات صعوبة.وعلى امتداد هذه العقود لعبت المؤسسات التعليمية دورًا لا يقل أهمية عن دور الشعراء أنفسهم. ففي ظل محدودية النشاط المسرحي الاحترافي كانت المدارس تمثل المساحة الأكثر حضورًا للعروض المسرحية. ومن خلال الاحتفالات المدرسية والأنشطة الثقافية تعرف أجيال من الطلاب إلى المسرح، وشاركوا في تقديم نصوص شعرية وتاريخية ووطنية هدفت إلى ترسيخ القيم الأخلاقية وتعزيز الانتماء الوطني.
وقد أسهم هذا المسرح المدرسي في تكوين جمهور أولي للمسرح الشعري، كما وفر فرصة لاكتشاف المواهب في مجالات الإلقاء والتمثيل والكتابة. وظهر في هذا المجال عدد من المهتمين بالمسرحية التربوية، ومنهم عبد الله بوقس الذي سعى إلى توظيف الشعر في خدمة العملية التعليمية، وتقديم نصوص تجمع بين البعد التربوي والقيمة الفنية.
ومع تأسيس الجامعات السعودية اتسعت دائرة الاهتمام بالمسرح. فقد أصبحت الجامعات مراكز ثقافية نشطة تحتضن الأندية الأدبية والأنشطة الفنية، وتوفر فضاءات جديدة للتجريب والعرض والنقاش. ومن خلال هذه المؤسسات تشكل جيل جديد يمتلك وعيًا مسرحيًا أكثر عمقًا، وأكثر قدرة على التعامل مع الخشبة بوصفها فنًا متكاملًا لا مجرد نص أدبي.
كما لعبت الأندية الأدبية المنتشرة في مختلف مناطق المملكة دورًا مكملًا لهذا الجهد. فقد احتضنت الندوات والحوارات النقدية، وشجعت نشر النصوص المسرحية الشعرية في الكتب والدوريات، وأسهمت في حفظ هذا التراث من الضياع. وبفضل هذا التكامل بين المدرسة والجامعة والنادي الأدبي تشكلت شبكة ثقافية حافظت على حضور المسرح الشعري في الوعي السعودي، حتى خلال الفترات التي شهد فيها تراجعًا أو انحسارًا.
ومن المظاهر المهمة في مسيرة المسرح الشعري السعودي الحضور النسائي في مجال البحث والنقد والدراسة. فرغم محدودية عدد الكاتبات اللاتي تخصصن في كتابة المسرحية الشعرية نفسها، فإن المرأة السعودية أدت دورًا بالغ الأهمية في توثيق هذا الفن وتأصيله نقديًا وأكاديميًا. فقد قدمت الدكتورة نوال السويلم دراسات رائدة حول المسرحية الشعرية السعودية والحوار في المسرح الشعري، وأسهمت في تحليل البنية الفنية لهذه النصوص والكشف عن خصوصيتها. كما قدمت الباحثة حليمة مظفر قراءات نقدية تناولت تاريخ المسرح السعودي وتحولاته وأزماته، مؤكدة أن البدايات الشعرية كانت جزءًا أساسيًا من تكوين الهوية المسرحية في المملكة.
ومع دخول الألفية الجديدة بدأت ملامح مرحلة مختلفة تتشكل في مسار المسرح الشعري السعودي. فالعالم من حوله كان يتغير بسرعة، والأجناس الأدبية نفسها كانت تعيد تعريف حدودها وأدواتها. ولم يعد الالتزام الصارم بالقوالب الكلاسيكية كافيًا لضمان استمرار التأثير أو جذب الجمهور الجديد. ومن هنا أخذ عدد من الكتاب والمسرحيين يبحثون عن صيغ أكثر مرونة تسمح للمسرح الشعري بأن يواكب العصر دون أن يفقد جوهره.في هذه المرحلة ظهرت مفاهيم نقدية وفنية جديدة مثل «مسرحة القصيدة» و«شعرنة المسرح». فمسرحة القصيدة تعني تحويل النص الشعري إلى عرض حي يمتلك مقومات الأداء والحركة والصورة، بينما تشير شعرنة المسرح إلى إضفاء الحساسية الشعرية على العرض كله، بحيث لا يقتصر الشعر على الحوار المنظوم، بل يصبح حاضرًا في الإضاءة والموسيقى والسينوغرافيا والإيقاع البصري والحركي. وبهذا المعنى لم يعد الشعر مجرد كلمات تقال على الخشبة، بل تحول إلى روح تسري في جميع عناصر العمل المسرحي.
وفي قلب هذه التحولات برزت تجربة الشاعر والكاتب المسرحي صالح زمانان، الذي قدم مسرحية «سراة الشعر والكهولة» ضمن فعاليات سوق عكاظ. وقد مثلت هذه المسرحية علامة بارزة في مسيرة المسرح الشعري السعودي المعاصر، لأنها أعادت استحضار شخصية الشاعر الجاهلي الكبير لبيد بن ربيعة من منظور فلسفي وإنساني حديث. لم يكن لبيد في هذا العمل مجرد شخصية تاريخية، بل تحول إلى رمز للتأمل في الزمن والذاكرة والشيخوخة والبقاء. واستطاع زمانان أن يوظف التراث العربي العريق داخل بناء درامي حديث يعتمد على الرمز والتكثيف والدلالات المفتوحة، وهو ما منح العمل قدرة على مخاطبة المتلقي المعاصر دون أن ينفصل عن جذوره الثقافية.
كما أسهمت المهرجانات الثقافية الكبرى، مثل سوق عكاظ والجنادرية، في إعادة الاعتبار للمسرح الشعري وإتاحة الفرصة لتقديمه أمام جمهور واسع. ثم جاءت المبادرات الثقافية الحديثة لتفتح آفاقًا أكبر لهذا الفن، حيث بدأت العروض المسرحية تستفيد من التقنيات الرقمية والوسائط البصرية الحديثة، وأصبح بالإمكان تقديم النصوص الشعرية في صورة عروض متكاملة تجمع بين الكلمة والصورة والمؤثرات التقنية.
لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. فالمسرح الشعري ظل يواجه تحديات فنية وفكرية معقدة، بعضها رافقه منذ لحظة الميلاد الأولى. وفي مقدمة هذه التحديات تبرز إشكالية العلاقة بين الغنائية والدرامية. فالشاعر بطبيعته يميل إلى التأمل والتعبير عن المشاعر والأحاسيس، بينما يتطلب المسرح حركة مستمرة وصراعًا متناميًا وتطورًا في الأحداث والشخصيات. ولذلك وجد كثير من كتاب المسرح الشعري أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يحافظون على جمال القصيدة من دون أن يضحوا بالحيوية الدرامية؟ وكيف يكتبون نصًا مسرحيًا حقيقيًا من دون أن يفقد الشعر مكانته المركزية؟
وقد انعكست هذه الإشكالية على عدد من الأعمال التي بدت أحيانًا أقرب إلى قصائد طويلة تتبادلها الشخصيات، أكثر من كونها نصوصًا تقوم على الفعل الدرامي المتحرك. ومع ذلك فإن كثيرًا من الكتاب استطاعوا، بدرجات متفاوتة من النجاح، تحقيق توازن بين الجانبين، وهو ما منح المسرح الشعري السعودي خصوصيته المميزة.
ومن التحديات الأخرى التي واجهت هذا الفن غياب البنية التحتية المسرحية المتكاملة في مراحل طويلة من تاريخه. فالمسرح، بخلاف الشعر والرواية، فن جماعي يحتاج إلى خشبة وممثلين ومخرجين وتقنيين ومؤسسات داعمة. وعندما تغيب هذه العناصر يصبح النص الأدبي هو الحلقة الأقوى والأكثر حضورًا، بينما يظل العرض المسرحي محدود الإمكانات. وقد أدى ذلك إلى بقاء عدد كبير من المسرحيات الشعرية داخل الكتب والدواوين من دون أن تجد طريقها إلى التجسيد الكامل فوق الخشبة.
كما واجه منافسة متزايدة من أجناس أدبية أخرى، وعلى رأسها الرواية التي شهدت خلال العقود الأخيرة ازدهارًا غير مسبوق في المملكة والعالم العربي. ومع صعود ما وصفه النقاد بـ«زمن الرواية» تراجع الاهتمام الجماهيري بالشعر عمومًا، وبالمسرح الشعري على وجه الخصوص. وإلى جانب ذلك جاء الانتشار الواسع للشعر النبطي في وسائل الإعلام والمنصات الجماهيرية ليجذب شرائح واسعة من المتلقين، الأمر الذي قلص مساحة حضور المسرح الشعري المكتوب بالفصحى.
ولم تكن التحديات التعليمية أقل تأثيرًا. فضعف الثقافة المسرحية في بعض المراحل، ومحدودية حضور المسرح ضمن المناهج الدراسية، جعلا مهمة تكوين جمهور واسع قادر على تذوق هذا الفن أكثر صعوبة. فالمسرح الشعري يحتاج إلى قارئ ومشاهد يمتلكان حساسية مزدوجة تجاه الشعر والدراما معًا، وهي مهارة لا تتكون إلا عبر تراكم ثقافي طويل.
ورغم كل هذه العقبات فإن المسرح الشعري السعودي لم يتوقف عن البحث عن أشكال جديدة للحياة. فقد أظهرت التجارب الحديثة قدرة متزايدة على التكيف مع المتغيرات الثقافية والتقنية، واستطاعت أن تدمج بين أصالة الكلمة الشعرية وحداثة العرض المسرحي. وأصبح واضحًا أن هذا الفن يمتلك من المرونة ما يسمح له بالاستمرار، شرط أن يظل منفتحًا على التجريب والتطوير.
واليوم يقف المسرح أمام مرحلة تاريخية مختلفة تمامًا عما عرفه رواده الأوائل. فالمملكة تشهد حراكًا ثقافيًا واسعًا تقوده رؤية 2030، التي وضعت الثقافة والفنون ضمن أولوياتها الكبرى، وعدّتها جزءًا أساسيًا من مشروع التنمية الشاملة. وفي هذا السياق شهدت البنية المسرحية السعودية تطورًا ملحوظًا من خلال تأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية، وإطلاق المبادرات والمهرجانات المتخصصة، وتوفير الدعم للمبدعين والمؤسسات الثقافية.