رسيني الرسيني
يقدم تقرير سوق التأمين السعودي لعام 2025م الصادر عن هيئة التأمين قراءة مختلفة لمسيرة القطاع. فرغم تحقيقه نموًا بمعدل يزيد عن 10 % مقارنة بالعام السابق ليصل إلى 84.3 مليار ريال، فإن الرسالة الأبرز في التقرير تتجاوز الأرقام، لتؤكد أن السوق دخل مرحلة جديدة عنوانها جودة النمو قبل حجمه.
ففي المراحل الأولى من نمو أي قطاع اقتصادي، يكون حجم التوسع هو المؤشر الأكثر جذبًا للانتباه، فكل زيادة في الإيرادات أو عدد العملاء تعد مؤشر على توجه السوق إلى النجاح. لكن مع نضج القطاعات وتطورها، تتغير معايير التقييم، إذ لم يعد النمو وحده كافيًا للحكم على جودة الأداء، بل يصبح السؤال الأهم: هل تحقق هذا النمو بصورة مستدامة؟ وهل يستند إلى أسس فنية ومالية متينة؟
ارتبط نجاح شركات التأمين عند بعض مسيري الشركات بقدرتهم على زيادة المبيعات ورفع حجم الأقساط، إلا أن التجارب أثبتت أن النمو غير المنضبط قد يتحول إلى عبء مالي إذا لم يكن مدعومًا باكتتاب سليم وتسعير يعكس حجم المخاطر الحقيقي. ولهذا ركز التقرير على أهمية الانضباط في التسعير، وتحقيق التوازن بين الأقساط والمطالبات، مع الإشارة إلى استمرار التباين في أداء بعض فروع التأمين. فالقيمة الحقيقية للوثيقة لا تكمن في بيعها، وإنما في قدرتها على تغطية المخاطر دون الإضرار بملاءة الشركة أو بحقوق المؤمن لهم، ولذلك تصبح جودة الاكتتاب هي المحرك الرئيس للربحية والاستدامة، وليس مجرد التوسع في إصدار الوثائق.
ومن هنا لا تكمن متانة أسواق التأمين في سرعة نموها فقط، وإنما في قدرتها على مواجهة الصدمات والاستمرار في الوفاء بالتزاماتها، وهي القدرة التي تجسدها مؤشرات الملاءة المالية وجودة الأصول. وقد أظهر التقرير أن هامش الملاءة المالية الإجمالي بلغ 156 %، فيما ارتفعت أصول شركات التأمين إلى 95.8 مليار ريال، وهذه المؤشرات تعزز من قدرة القطاع على امتصاص الصدمات، وترفع مساهمته في توظيف رؤوس الأموال داخل الاقتصاد الوطني. كما تعكس جاهزية السوق للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا مع تطبيق إطار رأس المال المبني على المخاطر، الذي سيجعل كفاءة إدارة المخاطر ورأس المال معيارًا رئيسًا لتقييم أداء الشركات، وليس حجم أعمالها فقط.
لا تقتصر آثار جودة النمو على القوائم المالية لشركات التأمين، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع بأكمله. فكلما تحسن الاكتتاب وارتفعت الملاءة المالية، ازدادت قدرة الشركات على تسوية المطالبات بكفاءة، وتعززت ثقة العملاء في القطاع. كما ينعكس ذلك على استقرار الخدمات الصحية، وحماية الأصول، ودعم الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على التأمين بوصفه أحد الممكنات الأساسية للاستثمار. ويؤكد التقرير هذا الدور من خلال اتساع قاعدة المستفيدين من التأمين الصحي إلى 14.5 مليون مستفيد، ووصول عدد المركبات المشمولة بالتأمين إلى 11 مليون مركبة. فهذه الأرقام لا تعبر عن توسع في التغطية فحسب، وإنما عن اتساع شبكة الحماية الاقتصادية التي يوفرها قطاع التأمين للمجتمع.
حسنًا، ثم ماذا؟
كان السؤال في قطاع التأمين: هل سينمو القطاع؟ وبعد تضاعف أرقامه في السنوات الأخيرة، أصبح السؤال الجديد: كيف نجعل هذا النمو أكثر ربحية واستدامة؟