محمد بن عبدالله آل شملان
تحت ظلال رؤية المملكة 2030 وبفضل التوجيهات السديدة والدعم اللامحدود من لدن خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-، يشهد قطاع النخيل والتمور في المملكة قفزات تحولية غير مسبوقة، نقلت هذا المنتج المبارك من إرث ثقافي واجتماعي إلى رافد اقتصادي عالمي يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
إن الاهتمام البالغ الذي توليه القيادة الرشيدة لهذا القطاع لم يكن مجرد دعم عابر، بل هو استثمار في هوية الوطن واستدامة موارده؛ وهو ما تجسد في تمكين المركز الوطني للنخيل والتمور ليكون المحرك الأساسي والدينامو الفاعل وراء الطفرة الإنتاجية والتسويقية للمملكة على الخارطة الدولية. ومن خلال هذا الدعم، تُصاغ اليوم قصة نجاح سعودية ترويها لغة الأرقام وتؤكدها الوقائع.
حكاية النخلة من بيوت الطين إلى قلوب الأجيال
تقول الأمهات في أرجاء وطننا الغالي، وقبلهن قالت الجدات العظيمات في واحاتنا الفسيحة: إننا نعرف بداية الصيف بحضور الرطب. فالرطب هو أول البشارة، وهو الإعلان الرسمي والمهيب لبدء موسم «القيظ «والنشاط.
قديماً، كان هذا الموسم يمثل حركية مجتمعية فريدة، حيث ينتقل الناس من بيوت الطين الشتوية إلى «العرش «و»العشش «المصنوعة من سعف النخيل، والتي كانت تمثل بيوت الصيف الباردة في مناطق «المقيظ». كانت تلك القرى والواحات التاريخية الممتدة عبر جغرافيا المملكة الكبيرة، من واحات الأحساء الغناء، إلى مزارع القصيم الفسيحة، ووديان المدينة المنورة، ونخيل بيشة والخرج وحائل والجوف ووادي الدواسر، تشكل مناطق الاصطياف الطبيعية وملاذ الأجداد من هجير الصحراء.
طقوس البركة وتشارُك البهجة
كانت جدتي -رحمها الله- إذا حضرت بشائر الرطب الأولى في مطلع الموسم، تأخذ من الصحن رطبة بوقار شديد، وقبل أن تذوقها، تضعها على عينها وتُقبّلها امتناناً. كانت تلهج بالحمد والشكر لله -عز وجل-، وتدعو بقلب خاشع أن منحها الله عمراً لتعيش صيفاً آخر، أو لتبلغ سنة أخرى من العطاء.
وحين اتسع بيتنا وتغيرت الملامح، ظلّت الفطرة كما هي؛ زرعت جدتي في فناء المنزل بضعة أنواع من النخل الجيد المنتقى بعناية. وفي أول موسم استواء الثمر ونضوجه، كان صوتها يملأ البيت وهي تأمر بأن تُخرف النخلة «أي يُجنى محصولها الغض «ليُوزع في الحال على الجيران والأقارب أياً كانت كميته. فالعبرة في قاموس الأجداد لم تكن يوماً بالكمية أو الوفرة، ولكن بتشارك بهجة البشارة الأولى، وبثّ السرور في نفوس الأهل والجيران. كانت جدتي تفرح بقدوم موسم الرطب كطفل صغير يتلقى عيديته، وتظل طوال اليوم تتحدث بشغف عن أنواعه الجيدة وأسمائه الفريدة؛ فتارة تتغنى بالخلاص، وتارة بالسري، وأخرى بالمكفزي «و «البرحي «و»الهشيش «و»العنيب «و»أم قميعة».
فالنخلة عندنا في المملكة ليست مجرد شجرة، بل هي شجرة مباركة كشجرة الزيتون في بقاع أخرى من الأرض. والرطب هو «نور المائدة «وسيدها، كما تكرر أمي اليوم الكلام نفسه الذي كانت تقوله جدتي، بالقناعة والفرح والإيمان نفسه. ولهذا، فإن كل طبق رطب يُرسل للبيت أو يُجنى منه، يتم تقاسمه فوراً مع الجيران، في طقس اجتماعي ثابت يمثل محافظة حية واستعادة وفية لإرث الجدات وإرث النخلة: تلازم البركة، وتشارك البهجة والخير.
الروابط الوجدانية والحضارية في المملكة
إن العلاقة بيننا في المملكة وبين النخلة ليست مجرد علاقة زراعية عابرة أو تبادل اقتصادي جاف، بل هي علاقة حضارية وتاريخية ووجدانية تمتد لآلاف السنين في عمق الجزيرة العربية.
فمن الصعب، بل من المستحيل، أن نجد عنصراً طبيعياً ترك أثراً غائراً في حياة الإنسان السعودي مثلما فعلت النخلة. لقد كانت للنفس والجسد بمثابة مصدر الطاقة والصمود الموثوق في مواجهة شظف العيش وقسوة الصحراء والنخلة بموادها شُيدت السقوف وصُنعت الأبواب وحيكت الحصائر التي تحمي من الرمال، والنخلة تعتبر شريان التجارة القديمة، والرمز الأسمى الذي يزين شعار ديرتنا ليدل على العطاء الممتد والرخاء المستدام.
شجرة العطاء لا يُهدر منها شيء قديماً، وفي تلك البيئة الصحراوية القاسية، كانت النخلة تعني الحياة بمعناها الحرفي والوجودي. فكل جزء من أجزائها يمثل امتداداً حقيقياً وعملياً لحياة الناس اليومية، وإذا أردنا أن نحصي فوائدها واستخداماتها التقليدية لأصابنا العجب العجاب، والكثير من الإعجاب والامتنان لذكاء أجدادنا، فالجذوع القوية استُعملت كأعمدة أساسية لبناء البيوت، وجسور متينة لتسقيف الغرف الطينية القديمة، والسعف والخوص «الأوراق «شُكلت منه بأيدي الأمهات الحصائر الملونة والزنابيل «المخارف «لنقل التمور والمراوح اليدوية «المهفات «لتخفيف حر الصيف، أما بالنسبة إلى الليف فقد غُزل بعناية فائقة وتُحولت خيوطه الخشنة إلى حبال قوية لرفع المياه من الآبار «السواني «ولصناعة أدوات التنظيف، أما النوى فلم يُلقَ عبثاً، بل كان يُطحن ويُقدم كعلف مغذٍ للمواشي، أو يُحمس بعناية ليتحول إلى بديل تقليدي وصحي للقهوة.
من هنا، نعلم سر هذا الاحتفاء الاستثنائي من أهلنا في المملكة بالنخيل وبمواسم الرطب. إنه ليس احتفاءً بفاكهة صيفية، بل احتفاء بشريكة البقاء.
فالتحية والتقدير لكل الأيدي التي تزرع وتحمي، وتحتفي بالنخلة كرمز وطني وإنساني عظيم. والتحية والاعتزاز بمهرجانات الرطب والتمور الوطنية الممتدة في شتى مناطق المملكة، كمهرجان بريدة للتمور، ومهرجان الأحساء، ومواسم ومزارع النخيل في كل شبر من أرضنا الطيبة، والقائمين عليها الذين يرسخون هذا الإرث الحضاري، وينقلون أمانة الجدات العظيمات بكل فخر للأجيال القادمة.
الهوية والتاريخ
لم تكن النخلة يوماً مجرد شجرة عابرة في جغرافية الجزيرة العربية، بل هي الهوية والتاريخ، والرفيقة المخلصة التي شاطرت إنسان هذه الأرض لقمة العيش وقسوة الحياة وأيام الرخاء. من جذعها شُيدت البيوف، ومن سعفها حِيكت الأفرشة، ومن ثمرها غُذيت الأجساد في سنوات الشدة.
وعندما تأسس المركز الوطني للنخيل والتمور، لم يكن مجرد إضافة إدارية أو جهاز حكومي تنظيمي؛ بل وُلد ليكون الحارس الأمين لهذا الإرث العظيم، والقلب النابض الذي يحول الوفاء الإنساني للشجرة المباركة إلى استراتيجية وطنية وقوة اقتصادية عالمية تعانق عنان السماء
حين تتجول في أروقة المركز الوطني للنخيل والتمور، تشعر وكأنك تقف في محراب يجمع أصالة الماضي بآمال المستقبل. إن الدور الذي يقوم به المركز يتجاوز لغة الأرقام الجافة والإحصاءات الصماء، يلمس شغاف قلوب المزارعين الذين توارثوا حب النخلة كابراً عن كابر. المركز يمثل رد الجميل لعطاء النخلة التي لم تبخل يوماً.
إنه يقف اليوم بجانب المزارع البسيط، يشد على يده، يوجه خطاه، ويمنح عرقه وجهده قيمة تليق به. من خلال المبادرات والبرامج المتكاملة، استطاع المركز أن يحول زراعة النخيل من نمط معيشي تقليدي إلى منظومة اقتصادية متطورة، دون أن يفقدها قيمتها العاطفية والروحية التي تجعل من كل نخلة في المملكة فرداً من أفراد العائلة السعودية.
تتجلى أسمى معاني العاطفة والترابط المجتمعي في الفعاليات والمواسم التي يرعاها وينظمها المركز، وعلى رأسها «مواسم تمورنا»و «كرنفال بريدة للتمور». هذه التجمعات ليست مجرد أسواق تجارية لتبادل السلع، بل هي تظاهرات ثقافية واجتماعية تفيض بالبهجة والحنين.
مع خيوط الفجر الأولى، وقبل أن تشرق الشمس، تدب الحياة في هذه الأسواق. تترامى عربات التمور محملة بالسكري، والخلاص، والصقعي، والعجوة، والصفري، كأنها جواهر خرجت من باطن الأرض. وخلف كل عربة، مزارع يحكي وجهه قصة كفاح طويل تحت لهيب شمس الصيف، تلمع عيناه بالفخر وهو يرى ثمرة تعبه السنوي محط أنظار الجميع. هنا، يتدخل المركز الوطني للنخيل والتمور ليكون المظلة التي تحمي هذا الفرح، والمنظم الذي يضمن للمزارع حقوقه، والوجه الحضاري الذي يستقبل الزوار برائحة القهوة السعودية والقدوع الأصيل، ليعيد إلى الأذهان بريق الأسواق التاريخية للجزيرة العربية.
لقد نجح المركز في قيادة تحول تاريخي، مخرجاً التمر من نطاقه المحلي الضيق إلى آفاق العالمية الرحبة. لم يعد التمر مجرد زاد للمسافر في الصحراء، بل أصبح رمزاً للفخامة وكرم الضيافة السعودية في كبرى عواصم العالم.
حين تشارك المملكة تمورها في المحافل الدولية والمعارض العالمية، مثل معرض «Summer Fancy Food «في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من المنصات الكبرى في أوروبا وآسيا، فإنها لا تصدر منتجاً غذائياً فحسب، بل تصدر جزءاً من روحها وثقافتها. إن رؤية التمور السعودية، المغلفة بأرقى المعايير العالمية الحاصلة على «علامة التمور السعودية الجودة»، وهي تلمع كضيف شرف على موائد العالم، تملأ قلب كل مواطن بمشاعر الاعتزاز. هذا الإنجاز خلفه عقول وسواعد في المركز الوطني للنخيل والتمور، عملت بصمت وصبر لتجعل من «السندس الأسمر» سفيراً فوق العادة للثقافة السعودية.
العاطفة الحقيقية نحو الإرث لا تعني البكاء على الأطلال، بل تعني حمايته وتطويره ليبقى حياً للأجيال القادمة. وهذا هو المبدأ الذي يتبناه المركز؛ حيث يترجم حبه للنخلة إلى أبحاث علمية دؤوبة، ومبادرات للابتكار، ودعم للصناعات التحويلية.
من خلال تشجيع الابتكار في منتجات التمور، يفتح المركز آفاقاً جديدة لا حدود لها. اليوم، يدخل التمر ومشتقاته في صناعات غذائية متقدمة، ومستحضرات طبية، وصناعات تحويلية متعددة الاستخدامات. إن المركز يبني جسراً متيناً يربط بين حكمة الأجداد وتقنيات المستقبـل، مسترشداً بمستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى للاستثمار في الموارد المتجددة وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية. النخلة مع المركز لا تشيخ، بل تتجدد شباباً وعطاءً مع كل جيل.
في عالم متسارع مليء بالمنتجات المتشابهة، وضع المركز الوطني للنخيل والتمور بصمته الفريدة من خلال إطلاق «علامة التمور السعودية». هذه العلامة ليست مجرد شعار يُطبع على العبوات، بل هي صك أمان، ورسالة ثقة تضمن للمستهلك في أي مكان في العالم أنه يتناول ثمرة نُسبت إلى أرض مباركة، ورُعيت بأعلى معايير الجودة والنظافة والاستدامة. إنها تمثل التزاماً أخلاقياً من المركز تجاه الشجرة وتجاه الإنسان، لتبقى السمعة الطيبة للتمور السعودية ناصعة البياض كقلوب أهلها.
إن المركز الوطني للنخيل والتمور هو في جوهره قصة عشق سعودية كُتبت بماء المطر وعرق الجبين. هو المؤسسة الشامخة التي تسهر ليل نهار على ألا تنحني قامة النخلة أبداً، ولتظل دائماً كما أرادها الله: أصلها ثابت وفرعها في السماء.
سيظل المركز يروي حكاية الوفاء، ويقود قوافل التمور من واحات الأحساء، والقصيم والمدينة المنورة والخرج وحائل وبيشة ووادي الدواسر، إلى كل بقاع الأرض، حاملاً مع كل حبة تمر رسالة سلام، ومحبة، وكرم من أرض المملكة العربية السعودية إلى العالم أجمع.
إحصاءات عامة مشرفة
شهدت الحيازات الزراعية في المملكة، والتي تتجاوز 123 ألف حيازة مخصصة للنخيل، نمواً متسارعاً بفضل تبني التقنيات الزراعية الحديثة وأنظمة الري المبتكرة.
وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن المملكة تضم اليوم أكثر من 37.6 مليون نخلة، من بينها ما يزيد على 32 مليون نخلة مثمرة. هذه الثروة الشجرية الهائلة تترجمها أرقام إنتاج قياسية، حيث يبلغ حجم الإنتاج السنوي للمملكة من التمور 1,923 ألف طن «نحو 1.92 مليون طن». ونتيجة لهذه الوفرة، نجحت السعودية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من التمور بنسبة استثنائية بلغت 121 %، مما يضمن فائضاً كبيراً ومستداماً موجه للأمن الغذائي والتصدير.
تتوزع أشجار النخيل في مختلف مناطق المملكة، إلا أن منطقة القصيم تتربع على عرش الإنتاج المحلي باحتضانها لحوالي 10.8 ملايين نخلة، وتنتج وحدها أكثر من 584 ألف طن سنوياً، تليها مناطق الرياض، والمدينة المنورة، والمنطقة الشرقية.
وتتميز المملكة بتنوع حيوي فريد في هذا القطاع، حيث تنتج ما يزيد على 300 صنف من التمور. ويأتي صنف «الخلاص «في المرتبة الأولى من حيث الانتشار بعدد الأشجار، يليه أصناف فريدة تحظى بطلب عالمي ومحلي واسع مثل: السكري، العجوة، الصقعي، والصفري.
على الصعيد الدولي، حققت الدبلوماسية الاقتصادية والزراعية للمملكة قفزات غير مسبوقة. فقد بلغت قيمة صادرات التمور السعودية رقماً قياسياً بالوصول إلى 1.938 مليار ريال، مسجلة نمواً تراكمياً مذهلاً بنسبة 59.5 % خلال السنوات الأخيرة.
ولم يعد استهلاك التمر السعودي محصوراً في النطاق الإقليمي، بل باتت هذه الثمار تصل اليوم إلى أكثر من 125 دولة حول العالم. وتكشف مؤشرات التصدير عن نمو واعد جداً في أسواق غير تقليدية؛ حيث قفزت الصادرات إلى اليابان بنسبة «+67 %»، وجنوب أفريقيا بنسبة «+48 %»، وهولندا بنسبة «+47 %»، والصين بنسبة «+39 %».
وتؤكد هذه الأرقام ريادة التمور كقائد للمنتجات الزراعية السعودية، إذ تشكل صادرات الفواكه والثمار، وعلى رأسها التمور نحو 72.1 % من إجمالي كمية الصادرات الزراعية للمملكة.