عبدالكريم بن دهام الدهام
رحل الرجال، وبقيت أعمالهم شواهد تنطق بذكراهم في الدنيا، وترفع درجاتهم في الآخرة. وحين نلتفت بالذاكرة والوجدان إلى سيرة صاحب السمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد آل سعود أمير منطقة الحدود الشمالية الراحل -يرحمه الله- فإننا لا نتذكر مجرد مسؤول أدار دفة الحكم في منطقة غالية من وطننا لعقود طويلة، بل نستحضر طرازاً فريداً من الإنسانية، ورجلاً زرع في أرض الفناء ما يرجو حصاده في دار البقاء.
تأتي الأوقاف الخيرية التي خلّفها سموه، يرحمه الله، كأجمل وأصدق مقال عاطفي يُكتب بمداد من النور.
إن الوقف في جوهره ليس مجرد مبانٍ تُشيّد، أو أموال تُحبس، بل هو نبض قلب مؤمن أدرك أن الحياة رحلة قصيرة، وأن المآل الحقيقي هو ما يقدمه المرء لآخرته. لقد كانت أوقاف الأمير الراحل ترجمة حيّة لقلب عاش مسكوناً بحب الخير، متلمساً لحاجات المعوزين، ومؤمناً بأن المسؤولية تكليف لخدمة الخلق لا تشريف للزهو بالمنصب.
تنقلت عطاءات الأمير الراحل وأوقافه لتشمل بناء المساجد التي يرتفع فيها اسم الله بكرة وعشياً، ودعم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم لتبقى آيات الله غرسًا في قلوب الناشئة، إلى جانب كفالة الأيتام ومواساة الأرامل والمحتاجين من خلال الجمعيات الخيرية والمؤسسات التي رعاها بنفسه طوال حياته واستمرت من بعده. في كل مسجد بُني بفضله، وفي كل مصحف يتلوه طفل، وفي كل رقبة أعتقها، وفي كل مشاركة ساهم فيها، ولكل صائم فطّره، وفي كل حقيبة وبطانية وزعها، وفي كل عملية غسيل للكلى تكفل بنفقتها، وفي كل يتيم كفله، وفي كل عمرة سيّرها، وفي كل شربة ماء ارتوت بها نفس، وفي كل لقمة عيش سدت جوع محتاج من ريع تلك الأوقاف، وفي كل راتب شهري دائم بعد رحيله لمن أفنوا سنواتهم في خدمته، وفي كل ثمة دعوة خفية تصعد إلى السماء تنشد الرحمة والمغفرة لروح الأمير الراحل.
ولأن ميزان البر لا يتوقف، فإن هذه الأوقاف والمؤسسات المباركة حظيت برعاية تضمن استدامتها ونموها؛ إذ يتولى صاحب السمو الأمير منصور بن عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد آل سعود منصب المشرف العام على هذه الأوقاف. وبفضل إشرافه المباشر ومتابعته الدؤوبة، تسير المبرات والأعمال الإنسانية على نفس خطى الوالد الراحل، محققةً أهدافها الشرعية والتكافلية، ومجسدةً أسمى معاني البر بالوالدين وحفظ وصاياهم الخيرية.
إن القيمة الحقيقية لأوقاف الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد تكمن في ذلك الأثر العاطفي والروحي العميق الذي تتركه في نفوس أبناء منطقة الحدود الشمالية خاصة، والمملكة عامة. لقد أحب الناس أميرهم لأنه عاش بينهم قريباً من آلامهم وآمالهم، وجاءت أوقافه لتؤكد أن هذا الرباط الوجداني لم ينقطع بموته. فالأجساد قد تغيب تحت الثرى، لكن الأيدي البيضاء تظل ممدودة بالعطاء، تظلل المحتاجين برعايتها، ولسان حالها يقول: «إن غبت عن عيونكم، فإن حُبي لكم وأثري فيكم لا يغيب».
رحم الله الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد، وجعل كل ما قدّمه من أوقاف ومبرّات صدقة جارية في ميزان حسناته، وضياءً لقبره، ورفعة لدرجاته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحفظ الله أبناءه وأسرته الذين يسيرون على نهجه في رعاية هذا الإرث المبارك ليبقى العطاء متصلاً كالنهر الجاري الذي لا ينضب.