عبدالعزيز صالح الصالح
الفرق بين المرء والمرء في نظرته لكافة الأمور بشكل عام، وتقويمها، فهذا هو الفرق بين العالم والجاهل، والحكيم والأحمق، والمتواضع والمتكبر، والراقي والوضيع. فإن سلوك الإنسان في هذه الحياة دليل على قائمة القيِّم المنقوشة في أعماق نفسه. فإنه يسعى جاهداً إلى تحصيل المال من أيِّ طريق كان، حيث إنه لا يعبأ بالنزاهة والشرف والكرامة، فقد دل ذلك على أن تحصيل المال في أعلى مرتبة القيِّم والشرف والكرامة في أسفلها، فإنه لا يعتنى بطرق النظافة أو لا يعتنى بها، ولا بالاطِّلاع على الكتب أو عدمها، ولا بمشاهدة المناظر الجميلة أو إهمالها، فهذه الأمور آنفة الذكر تحدد مكانتها في (قائمة القيِّم).
فإن التَّربيَّة بوسائلها المتعدِّدة، والتعَّليم بأساليبه المتنوِّعة فهذا هو التقويم، فالذي رُبي تربيَّة صالحة، وعُلم تعليماً صحيحاً لا يختلف عمن رُبي تربيَّة فاسدة، وعُلم تعليماً سيئاً، إلا أن الأول ركز في ذهنه قائمة لقيم الأمور مرتبة ترتيباً يتفق والمثل الأعلى، والثَّاني قد غرس في نفسه قائمة تتفق والمثل الأسفل. وهذه المُثل التي تشتق منها القيِّم فإنها تختلف باختلاف العصور والجماعات وروح الزمن أمَّا الفئة المتدينة تُشتق القيِّم من الدين، وترتب قيِّم الأمور حسب أوامره ونواهيه، فطاعة الله في أوَّل القائمة، والأخلاق تقوٌم حسبما ورد في الدِّين وهكذا، أمَّا الفئة التي تتفلسف حياتها حسب النجاح في هذه الدنيا فإنها ترتب قائمة القيِّم ترتيباً آخر عماده التجارب الدِّنيويَّة وما يصل منها إلى النجاح وما لا يصل فتجعله في أعلى قائمة الحرِّيَّة، والمحافظة على الشَّخصيَّة، وتدبير الثروة، وطرق تحصيلها وإنفاقها، والسَّعادة في الحياة، والتَّسامح، وما إلى ذلك.
فالحروب والنزعات وانقسام العالم منشؤه الاختلاف في فلسفة الحياة، مما ينتج عنه اختلاف في تقويم الأمور والنظر إليها. إن الأمَّة المتماسكة هي التي تخضع لنظام واحد، يبث في أفرادها، قائمة للقيِّم، فإن اختلاف الانظار في قيِّم الأمور، واختلاف السلوك تبعاً للتقويم، وسوء التفاهم بين الجميع لاختلاف المثل العليا لهم، وهكذا الشأن في الخلاف الواسع بين النظم الاجتماعيَّة لسكان الريف والقرى والأغنياء والفقراء، والمتعلمين والجهلاء فالأمم المتماسكة، لديها فروق ضيِّقة ليست واسعة وبعبارة أخرى إن الاختلاف في التقويم عندهم ليس بمقدار الاختلاف في التقويم عند الآخرين. فإن الخلافات الكثيرة في منتدياتنا، ومجالسنا وآرائنا منشؤها - الاختلاف الواسع في التقويم، ومنشؤه الاختلاف الواسع في التكوين.
فهناك خلافات واسعة في التَّربيَّة ونظمها وهناك من يتربى على أسس النزعة العقلية المادية البحتة، بعيد كل البعد عن الأديان والتقاليد، ومنهم من يتربى على أسس العقل والروح معاً، والتقاليد والتجديد معاً، وهكذا وكل منهج يحارب الآخر. وهناك من يريد حرية التَّجارة وحرِّية الأسواق مجارات للنظرة العالميَّة.
ما احدثته المخترعات الحديثة من تقريب المسافات بين كافة الأمم، وكثرة الامتزاج والاختلاط بينهما، وشدَّة الاتِّصال لمعرفة كل الأخبار وذلك من أجل تقريب وجهات النظر، وتقويم الأمور والآراء والأفكار في مساره الصحيح.