طفلة النفيعي
ثمة رجالٌ تُختصر سيرتهم في المناصب، وآخرون تتجاوز سيرتهم حدود المناصب لتستقر في الوجدان. وكان الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- من هذا الطراز النادر؛ فقد كان وزيرًا، وسفيرًا، وشاعرًا، وأديبًا، ومفكرًا، وأكاديميًا، غير أن اللقب الأصدق الذي ظل يرافقه في جميع محطاته هو: الإنسان.
فصفحات حياته لا تُقرأ بالحروف وحدها، بل تُقرأ بالقلب والعقل معًا. لم تكن إنسانيته شعارًا يُرفع، ولا صورةً تُرسم، بل كانت سلوكًا يوميًا يتجلى في عدله، وتواضعه، ورحمته، وإيمانه بأن الأوطان تُبنى بالعلم، والعمل، والمحبة.
وهذه ليست قراءةً في المناصب التي تقلدها، ولا في الألقاب التي نالها، بل هي وقفة مع غازي الإنسان؛ ذلك الذي جمع بين صرامة المسؤول، ورهافة الشاعر، وحكمة المفكر، فاستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة، وأن يظل اسمه مقترنًا بالعطاء والإلهام.
ولعل ما يفسر هذا الحضور المستمر أن أثره تجاوز زمنه، حتى غدا اسمه حاضرًا في كل حديث عن الإدارة، والأدب، والوطن. ويصدق عليه قول المتنبي:
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها
ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ
وفي ميدان التعليم، كان يؤمن أن رسالة المعلم لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تمتد إلى غرس الشغف وبناء الإنسان. لذلك كتب في حياة في الإدارة أن المادة لا يمكن أن تكون مفيدة ما لم تكن مشوقة، ولا مشوقة ما لم تكن مبسطة، وأن نجاح التعليم يبدأ من الجهد الذي يبذله المعلم قبل الطالب. وهي رؤية تكشف عن إيمانه بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة.
ولم يكن تميز الدكتور غازي القصيبي ثمرة الموهبة وحدها، بل كان ثمرة انضباطٍ في الوقت، واتساعٍ في الرؤية، وإخلاصٍ في العمل. فقد أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات، وتولى عددًا من الحقائب الوزارية، ومثّل وطنه سفيرًا في البحرين والمملكة المتحدة، إلى جانب أدواره مستشارًا، وشاعرًا، وكاتبًا صحفيًا، وأكاديميًا.
وحين يتأمل المرء هذا الزخم من الإنجازات، يدرك أن السر لم يكن في كثرة الوقت، بل في حسن إدارته، وفي القدرة على أن يمنح كل موهبة حقها، وكل مسؤولية نصيبها.
ولعل خير ما يُختتم به هذا المقال قوله في كتاب حياة في الإدارة:
«إنني أتصور أن داخل كل إنسان عدة شخوص، وأن الحياة الغنية هي التي تعطي كل شخص موسمه».
لم تكن هذه العبارة مجرد فكرة كتبها، بل كانت منهج حياة عاشه؛ فكان الإداري المبدع، والشاعر المرهف، والمفكر الواعي، والإنسان الذي ظل أثره أكبر من المناصب، وأعمق من أن تختصره الإنجازات.
حقًا… إنه غازي الإنسان.