فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
منتخبنا هم أبناؤنا، وهم أهل مستقبلنا، ورسالتنا للوصول إلى العالمية، وتحتاج منا أن نرسم ملامحها بوضوح ونضع النقاط على الحروف، ونبحث عن النهج والخطة اللذين يتوافقان مع مفهومنا وإمكاناتنا وتركيبتنا، حتى نستطيع أن نقرأ طريقنا إلى النجاح بوضوح.
خرجنا من كأس العالم 2026، وفي رأبي الشخصي، وأنا لست خبيراً ولا متابعاً محترفاً، وإنما محب، ومهتم بالرياضة عامة - بدروس مهمة ينبغي أن يستفيد منها مسؤولو كرة القدم للبحث عن المسار الصحيح؛ فهذا المسار بدأت ملامحه منذ كاس العالم 2022. عندما انتصرنا على الأرجنتين، ثم لم ننجح في التأهل إلى الدور التالي، وكان من الواجب أن ندرس أسباب ذلك الانتصار، وذلك الخروج، وأن نخطط لمعالجة أوجه القصور، حتى نستفيد من تجربة كأس العالم 2026 في الإعداد. لكأس العالم المقبل.
وأعتقد أن بداية التعثر كانت إدارية في المقام الأول: إذ كان من الضروري تجديد الإدارة بوجوه جديدة وروح مختلفة. تجمع بين الخبرة المحلية والعالمية، وتحمل عقلية صناعة الانتصار بدلاً من الاكتفاء بتحليل أسباب الخسارة وكيفية تفاديها مستقبلا، كما أن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق الجهة التي تختار المدرب: إذ يجب تقييم دوره ومسؤوليته عن النتائج، ومدى ملاءمته للاستمرار حتى كأس العالم المقبل، وهنا أرى أن يكون للمدرب السعودي الدور الأهم إلى جانب. الخبير الأجنبي، أما المحور الأساسي في معادلة النجاح فهو تقييم أبنائنا اللاعبين، ولذلك أرى ضرورة الزام كل فريق بمشاركة ما لا يقل عن خمسة لاعبين سعوديين في كل مباراة من مباريات الدوري، وفي مراكز مختلفة يحتاجها المنتخب. فمن هنا يبدأ البحث الحقيقي، ومن هنا تبدأ رحلة النجاح.
ومن التجارب التي أعتز بها خلال عملي في وزارة التربية والتعليم التي كنا نسميها (وزارة الوطن)، أننا بدأنا عام 2010 إعداد استراتيجية للرياضة المدرسية استغرقت قرابة عامين انطلاقاً من إيماننا بأن بناء الإنسان في مختلف المجالات يبدأ من المدرسة، وكانت نقطة البداية دراسة التجربة الإسبانية لما حققته من نجاحات في رياضات متعددة، وكانت كرة القدم تمثل المحور الأهم في تلك الاستراتيجية.
كما كانت لي تجربة أخرى أعتز بها في رياضتنا السعودية عندما تشرفت مع زملائي بالمشاركة في تأسيس الاتحاد السعودي للفروسية وبناء رياضة قفز الحواجز عام 1990م. فقد وضعنا استراتيجية تمتد لعشر سنوات، تضمنت أهدافاً قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وكان من أهم مقوماتها اختيار إدارة مؤمنة بالفكرة وقادرة ومؤهلة لتنفيذها. ثم اختيار الإنسان المناسب الذي يمتلك الموهبة والشغف ليبدأ تأهيله ودعمه من خلال برنامج متكامل يشرف عليه مدربون عالميون ومحليون على مستوى عال، كما حرصنا على توفير الأدوات اللازمة للنجاح، وفي مقدمتها الحصان في رياضة الفروسية، إلى جانب المتابعة المستمرة، ومنح الثقة من خلال المشاركات المحلية والإقليمية والعالمية، بما يوفر أكبر قدر ممكن من الخبرة العملية.
بدأنا باختيار ستة فرسان تدربوا لأكثر من عام في الولايات المتحدة الأمريكية مع مدرب عالمي، ثم عادوا للمشاركة بكثافة في البطولات المحلية والإقليمية، قبل أن تبدأ الرحلة العالمية في أولمبياد أتلانتا 1996 على خيول مستعارة، وبقيادة مدرب عالمي، حيث أطلق على المنتخب آنذاك اسم (عاصفة الصحراء) (Desert Storm) ، وحقق فرساننا مراكز متقدمة ضمن أفضل عشرين فارساً على مستوى العالم.
ثم جاءت المشاركة في أولمبياد سيدني 2000 حيث حقق الفارس (خالد العيد) على الجواد (خشم العان) (Eastern (Night)، الميدالية البرونزية كأول ميدانية أولمبية سعودية، لتتوالى بعد ذلك.. ولله الحمد. الإنجازات والميداليات العالمية والأولمبية والإقليمية.
ومن هنا أود أن أطرح لا بصفتي متخصصاً أو مسؤولاً، وإنما مواطناً محباً ومؤمناً بقدرات الإنسان السعودي، مقارنة بين نتائج منتخبنا في السنوات الأخيرة.
ففي كأس العالم 2022 بقطر هزمنا الأرجنتين في دور المجموعات. ثم توجت الأرجنتين لاحقاً بكأس العالم، بينما لم ننجح في التأهل إلى الدور الثاني، وفي كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية. خسرنا أمام إسبانيا التي توجت أيضاً بلقب البطولة. ولم تتأهل كذلك إلى الدور الثاني. ولو اطلعنا على الإحصاءات، وقارنا بين منتخبنا ومنتخبي الأرجنتين وإسبانيا، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي واجهت لاعبينا، لوجدنا لهم العذر لأنهم لم يحصلوا على المقومات التي تجعل من العدل تحميلهم وحدهم مسؤولية النتائج.
وختاماً، أتذكر ذلك (الإعصار) الذي طالما بحثت عنه الذي هيمن على أبنائنا مبعثراً أوراقهم، ثم حملناهم وحدهم مسؤولية ما حدث. وقد تناولت هذا المعنى في ثلاث مقالات الأولى عام 1994 بعنوان: حلم العشرين عاماً بين ألمانيا 74 وأمريكا (94)، والثانية عام 2022 بعنوان: (من القوطي إلى قطر، والثالثة هذا العام، بمناسبة كأس العالم 2026 بعنوان: (كأس العالم 2026).
أسأل الله القدير أن يوفق مسؤولي الرياضة في وطننا الغالي لاتخاذ القرارات المدروسة والصائبة، وأن يعينهم على إعداد وتأهيل ودعم رياضيينا بما يمكنهم من رفع راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) خفاقة في المحافل العالمية، والله من وراء القصد.