محمد العبدالوهاب
بينما يعيش دوري روشن للمحترفين أزهى عصوره الاستثمارية ويجذب أنظار العالم بفضل استقطاب نخبة من ألمع نجوم الكرة الأرضية، يمر المنتخب السعودي الأول بانتكاسة فنية غير مسبوقة في عقوده الأربعة الأخيرة! تجلت بوضوح كتباين شاسع بين التطور الهائل في الدوري ونقيضه في المنتخب، والذي أثبت أن الطفرة لم تخدم المنتخب بالشكل المطلوب، بل وضعت المنظومة بأكملها أمام اختبار تاريخي يستوجب مواجهة الحقائق دون مواربة.
أقول: إن التشخيص في واقع كرة القدم السعودية يكشف أن الأزمة ليست وليدة المفاجأة، بل هي نتاج تراكمات أدت إلى انحسار فرص اللاعب المحلي الذي تحول إلى ركيزة أساسية على دكة البدلاء في ناديه بسبب زيادة عدد اللاعبين الأجانب والتي طالت حتى»حراسة المرمى» مما أفقده حساسية المباريات الكبرى ومعدلات اللياقة التنافسية العالية.
ويتوافق ذلك مع أزمة فكر وذهنية يعاني منها اللاعب الذي بات يفتقر إلى عقلية الاحتراف الحقيقي والانضباط الفني في ساعات التدريب الفعلي، مما جعله أقل قدرة من الناحية البدنية على مجاراة متطلبات كرة القدم الحديثة والتي تحولت أشبه بمخدر موضعي أفقد الجيل الحالي الشغف والجوع الكروي للمنافسة!
يضاف إلى ذلك غياب الهوية التنافسية المستدامة بسبب العشوائية والتنقل غير المدروس بين المدارس التدريبية العالمية بلا خطة موحدة تسري على كافة الفئات السنية، بالتزامن مع تواضع العمل الأكاديمي الذي صرف عليه مبالغ مليونية، ولكنها سُلمت في أيادي إدارية غير احترافية و(ربما) غير رياضية من حيث المهنة والقدرة والفكر التأسيسي!
إن اكتفاء النشء بمشاهدة أداء الأساطير العالمية للاستمتاع وإشباع الميول أصبح موجعاً ومؤلماً وسط ضعف البنية التحتية للأكاديميات الحالية سواء في الأندية أو المنظومة الرياضية.
ولكي يستعيد بطل آسيا هيبته ومكانته الطبيعية، فإن خريطة طريق العودة تتطلب التحول من العمل الإداري المؤقت إلى العمل الفني كتخصص مؤسسي مستدام، والذي لن يتحقق إلا بوجود كوادر إدارية وفنية احترافية ويبدأ ذلك بإعادة هيكلتها لإبراز المواهب الكروية المحلية التي تتحين إتاحة الفرصة لهم لإثبات وجودهم، مع ضرورة دعم وتسهيل الاحتراف الخارجي عبر وضع برامج حكومية ورياضية مدعومة لتصدير المواهب السعودية الشابة نحو الدوريات الأوروبية في سن مبكرة ليتشرَّب اللاعب ثقافة الالتزام والضغط الجماهيري والبدني العالي. لا بالطريقة الحالية التي أثبتت فشلها عن ابتعاث أكثر من 200 لاعب واعد، وفي الأخير لم ينجح أحد!
وهذا ما يؤكد أن الاستثمار الحقيقي ينبغي أن يكون في الجانب التأسيسي عبر بناء أكاديميات وطنية مركزية تحاكي التجارب الناجحة إقليمياً ودولياً ببرامج تجمع بين التعليم والتدريب الرياضي المكثف لصناعة لاعب بمواصفات عالمية بدنياً وذهنياً، واسألوا أبناء اللعبة فلديهم الخبر اليقين فهم من يعتني بالجانب النفسي والذهني للاعب وتدريبه على كيفية التعامل مع النجومية والضغوط، وصولاً إلى صناعة هوية كروية ثابتة عبر مشروع فني طويل الأجل يختار مدرسة كروية تتناسب مع طبيعة اللاعب السعودي وجيناته المهارية، وتطبيق خططها التدريبية بصفة موحدة من براعم الأندية وحتى المنتخب الأول، مع منح الأجهزة الفنية الوقت الكافي للبناء بعيداً عن مقصلة الإقالات السريعة.
إن المال وحده لا يصنع رياضة احترافية بالمعنى الصحيح، ولا منتخباً بطلاً، وخصوصاً أن المملكة مقبلة على تنظيم الحدثين الكرويين الأكبر قارياً في كأس آسيا 2027 وعالمياً في كأس العالم 2034، وتمتلك كافة المقومات المادية والدعم القيادي اللامحدود (الرؤية) خير شاهد، وما تحتاجه الكرة السعودية الآن هو غربلة فكرية وإدارية تعيد ترتيب الأولويات، ليعود الأخضر إلى منصات التتويج بطلاً مهاباً في القارة الآسيوية والحضور المشرِّف مونديالياً.
آخر المطاف
قالوا: على مر التاريخ.. تبقى الصفحات متشابهة، حتى وإن تغيَّرت الأدوات والأسماء.