أمل حمدان الشريف
لا تبدأ الأزمات الكبرى بانهيار المؤسسات، ولا بتراجع المؤشرات الاقتصادية، بل تبدأ غالبًا بتحولاتٍ هادئة في السلوك الجمعي، حين تتغير معايير الحوار، ويختل ميزان القيم، ويصبح الضجيج بديلًا عن الفكرة. ومن بين هذه التحولات ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الصوت المرتفع”؛ وهي ظاهرة لم تعد مجرد تصرفات فردية عابرة، بل تحولت إلى سلوك يتسلل إلى تفاصيل الحياة، حتى بات يُنظر إلى ارتفاع الصوت بوصفه قوة، وإلى الانفعال باعتباره حسمًا، وإلى المقاطعة على أنها انتصار.
وهنا يكمن الخلل، فالمجتمعات المتحضرة لا تُقاس بارتفاع أصوات أفرادها، بل بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم بأدب، واحترام التنوع في الآراء، وتقديم الحجة على الانفعال. أما حين يصبح الصوت هو وسيلة الإقناع، فإن الحوار يفقد رسالته، ويتحول إلى منافسة في الصخب، لا إلى رحلة في البحث عن الحقيقة.
لقد أسهمت بيئات التواصل الحديثة في تغذية هذه الثقافة؛ فالمنصات الرقمية تكافئ أحيانًا المحتوى المثير أكثر من المحتوى العميق، وتمنح الانتشار لمن يثير الجدل ولو على حساب الحقيقة. ومع تكرار هذا المشهد، نشأ وهمٌ خطير مفاده أن الحضور يُصنع بالضجيج، وأن التأثير يقاس بعدد المشاهدات لا بوزن الأفكار. لكن التاريخ يقدم درسًا مختلفًا تمامًا. فما بقي من إرث العلماء والمصلحين والمفكرين لم يكن صخبهم، بل أفكارهم. ولم تُخلّد الحضارات لأنها كانت أكثر ضجيجًا، وإنما لأنها احترمت العقل، وقدّمت البرهان، ورسّخت ثقافة الحوار. إن ارتفاع الصوت لا يزيد الحجة قوة، كما أن هدوء المتحدث لا يعني ضعف موقفه. فكثيرًا ما يكون الهدوء ثمرة ثقة بالمعرفة، بينما يكون الانفعال محاولة لتعويض نقصها. ولهذا كان الحكماء يربطون بين رقي الإنسان ورقي لغته، وبين عمق فكره وقدرته على الإصغاء قبل الحديث.
وتتجاوز آثار هذه الثقافة حدود النقاشات العامة؛ فهي تمتد إلى الأسرة، حين يظن بعض الآباء أن التربية لا تستقيم إلا بالصراخ. وتمتد إلى بيئات العمل، حين يخلط بعض القادة بين الحزم والانفعال. وتمتد إلى المؤسسات التعليمية، حين يُفهم الانضباط على أنه رفع للصوت لا رفع لمستوى الوعي. وهكذا تتشكل أجيال تعتقد أن القوة في الهيمنة، لا في الإقناع.
إن المجتمع الذي يعتاد الضجيج يخسر شيئًا فشيئًا قيمة الإصغاء، والإصغاء ليس مجرد أدب، بل مهارة حضارية. فمن لا يُحسن الاستماع، لن يُحسن الفهم، ومن لا يُحسن الفهم، لن يُحسن اتخاذ القرار. ولهذا فإن الحوار الراقي ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لبناء مجتمع قادر على التفكير المشترك وصناعة الحلول.
نحن اليوم، في ظل مشروع وطني طموح يقوم على الاستثمار في الإنسان، أحوج ما نكون إلى ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، واحترام الكلمة، وتعزيز مهارات التواصل الهادئ في الأسرة، والمدرسة، والجامعة، وبيئة العمل، والإعلام. فالتنمية لا تكتمل بالمشروعات وحدها، بل تكتمل أيضًا ببناء إنسان يعرف كيف يختلف باحترام، ويناقش بوعي، ويقنع بالحجة.
ولعل أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا ليس مزيدًا من الأصوات، بل مزيدًا من الأفكار. فالصوت المرتفع قد يفرض الصمت على الآخرين، لكنه لا يصنع قناعة. أما الفكرة الصادقة، فإنها تجد طريقها إلى العقول بهدوء، وتبقى بعد أن يخفت كل ضجيج.
وفي النهاية، يبقى معيار الرقي الحضاري واضحًا: ليس من يعلو صوته هو الأقوى، بل من يسمو فكره. وليس من يكسب الجدل هو المنتصر، بل من يكسب احترام العقول. وعندما تتحول ثقافة الصوت المرتفع إلى سلوك يومي، فإن القضية لم تعد قضية أفراد، بل قضية وعي، والخلل لم يعد في النبرة… بل في الثقافة التي جعلت من الضجيج بديلًا عن الحوار، ومن الانفعال بديلًا عن الفكر.