د. أحمد محمود الخضري
من الألفاظ التي تستعمل في لغة العرب للدلالة على أغطية الرأس الطُّرْطُور -بِضَمِّ الطَّاء الأولى والثانية وسُكُون الرَّاء - وهو لفظ عربي محض لا شبهة في أصالته على زنة (فُعْلُول) ويجمع على طَراَطِيْر، ويؤصل ابن فارس (ت 395ه) في معجمه المقاييس لهذا الجذر مُوردًا أن «الطَّاء وَالرَّاء أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حِدَّةٍ فِي الشَّيْءِ وَاسْتِطَالَةٍ وَامْتِدَادٍ « [3/409]، فالأصل الدلالي الذي تدور حوله مشتقات هذا الجذر هو الاستطالة والامتداد.
وبمطالعة بعض المعجمات اللغوية والنظر فيها؛ للوقوف على ما يفيده لفظ الطُّرْطُور لاحظت أنه يتردد بين عدة معانٍ، منها قول الجوهري (ت393ه) في الصحاح: «والطُّرْطُور قَلَنْسُوَة للأَعْرَابِ طَويلَةٌ، دَقِيْقَةُ الرَّأْس» [2/726] فمدلول الطُّرْطُور كما أورده الجوهري، ضرب من ملابس أو أغطية الرأس عبارة عن قَلَنْسُوَة طويلة دقيقة الرأس يلبسها الأعراب، وتابعه في ذلك ثُلَّة من اللغويين القدامى أمثال: العلامة ابن منظور(ت 711ه) في لسان العرب، والزبيدي (ت 1205ه) في تاج العروس... وغيرهما.
كما فَسَّرَهُ بعض اللُّغويين المحدثين بمعنى يتفق وما ذكره أسلافهم القدامى، من ذلك ما أورده أصحاب المعجم الوسيط بأن من معاني الطُّرْطُور « القَلَنْسُوَة الطويلة الدقيقة الرأس» [ص575] ، وجاء تعريف د/ أحمد مختار عمر للطُّرْطُور أكثر دقة ووضوحًا بأنه: «قُبَّعة طَوِيلة تَضِيقُ كلَّما طَالَت، تُشْبِهُ القِرْطَاس» [معجم اللغة العربية المعاصرة: أحمد مختار عمر 2/ 1395].
وتشير بعض المراجع إلى أن الطُّرْطُور لباس أو غطاء قديم للرأس كان يلبسه النساء والرجال، فقد كان طُرْطُور النساء المصريات عبارة عن عِمَارَة رأس منصوبة على شكل برج، وفي بلاد الشام كان طُرْطُور المرأة السورية طاقية حمراء في غاية الارتفاع مبثوث فيها قطع من النقود مجتمعة على أشرطة حريرية ومعلقة بسلاسل فضية، أما طُرْطُور الرجال فمن خلال ما كتبه الرحَّالة والمستشرقون الأجانب يستفاد أنه كان لباس أو غطاء رأس البدو في مصر، وهو قبعة مستطيلة من الخوص، ضيقة في أعلاها.
وكان سُكَّان المدن من أهل مصر ينظرون إلى طُرْطُور البدو هذا نظرة استخفاف واستهزاء وسخرية؛ لذا فقد جرت العادة قديمًا أن يوضع الطُّرْطُور على رؤوس المجرمين والأسرى، ويطاف بهم في الشوارع والطرقات تشهيرًا بهم ،كما كان الطُّرْطُور لباس الدراويش في مصر، فقد كانوا يضعون على رؤوسهم طاقية معمولة على هيئة قالب سكر، وتغطى ببعض الريش الصغير مختلف الألوان [ المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب: دوزي، ص236 - 247].
وفي وقتنا الحالي يلبس الطُّرْطُور عادة المهرجون أو من يقومون بألعاب شعبية مسلية كالحُوَاة وأمثالهم كما نشاهده أيضًا على رؤوس الأطفال في بعض الأعياد والمناسبات المختلفة.
والطُّرْطُور بدلالته الحسية على: قلنسوة طويلة دقيقة الرأس تضيق كلما طالت، لم أقف عليه فيما رجعت إليه من أشعار الجاهليين، كما لم يرد ذكره في القرآن الكريم، وكذا الحديث النبوي الشريف.
وقد ذكر بعض علماء العربية القدامى دلالة أخرى للفظ الطُّرْطُور؛ حيث أشار إليها الأزهري (ت370ه) فيما رواه عن ابن الأعرابي (ت231ه) أنه قال: «والطُّرْطُور الوغْدُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجَال» [ تهذيب اللغة ، 13/202]، وكاد اللغويون القدامى يُجْمِعُون على ما رُوِيَ عن ابن الأعرابي، فها هو ذا الصغاني (ت650ه) في معجمه التكملة ينقل ذلك بنصه ناسبًا إياه لابن الأعرابي، [ 3/88]، وذكر هذا المدلول كل من الفيروز آبادي (ت817ه)، وابن معصوم (ت1120ه)، والزبيدي (ت1205ه) دون عَزْوٍ.
كما وافقهم في هذا المعنى بعض علماء اللغة المحدثين، مثل: البستاني (ت 1300ه) وأحمد رضا (ت 1372ه) وأصحاب المعجم الوسيط، وفَسَّرَهُ د/ أحمد مختار عمر بأنه: «شخصٌ ضَعِيْفٌ لا يَمْلك اتّخاذ القَرارات» [2/1395]
وواضحٌ من تفسيرات بعض اللغويين القدامى والمحدثين السابقة للفظ الطُّرْطُور أن معناه: الوَغْدُ الضَّعِيْفُ من الرجال بين أهلهِ وقومهِ، ليس له حَلٌّ ولا عَقْد ولا فائدة تُرْجَى مِنْهُ، وبهذا المعنى لم يستعمله الشعراء الجاهليون فيما رجعت إليه من دواوينهم، كما لم يرد ذكره في الاستعمال القرآني، وكذا الاستعمال النبوي الشريف، وإنما جاء في بعض أشعار المتأخرين، من ذلك قول أبي عثمان النَّاجِم (ت 314ه) في الهجاء:
لَقَدْ ضَلَّ امرُؤٌ عَدَّكَ يَا طُرْطُورُ عَلَّامَة [الهزج]
وتجدر الإشارة إلى أن لفظ الطُّرْطُور في لغتنا الدارجة والاستعمال اليومي المعاصر، قد اعتراه تطور على الصعيد الصوتي؛ إذ ينطقه العوام (طَرْطُور) بإبدال ضمة الطاء الأولى فتحة؛ عملًا بمبدأ السهولة واليسر في النطق، باختيار حركة الفتح وهي الأخف، في مقابل الضم وهي الحركة الأكثر ثقلًا في الفصحى.
وبالنظر في دلالتي لفظ الطُّرْطُور السابقتين يلاحظ اتفاق أحدهما وهو: قَلَنْسُوَة طويلة دقيقة الرأس تشبه القرطاس، والأصل الدلالي الذي نَصَّ عليه بعض علماء اللغة وهو الامتداد والاستطالة، فملمح الطول والامتداد متحقق ومتوافر في دلالة لفظ الطُّرْطُور على هذا النوع من القلانس أو القبعات والتي تمتاز بطولها وامتدادها ودقة رأسها.
وهذا المعنى الحسي للفظ الطُّرْطُور -فيما يبدو- هو أقدم معانيه ظهورًا واستعمالًا، ثم اعتراه تطوُّر دلالي هيَّأته: انتقال المعنى عن طريق المجاز، فأطلق على مدلول معنوي اجتماعي ألا وهو: الوغد الضعيف من الرجال الذي لا رأي له ولا فائدة فيه، وهي صفة وضيعة تعيب كل من اتَّصَف بها.
ويظهر لي أن الذي سَوَّغَ هذا الانتقال الدلالي هو: مشابهة الرجل الوغد الضعيف عديم النفع والفائدة، بالجزء الأعلى من هذه القلنسوة الذي لا يدخل فيه رأس من يعتمرها أو يلبسها، وإنما يكون هذا الجزء في أعلاها أو نهايتها من دون فائدة له معروفة أو ملموسة، فانعدام الفائدة والنفع متوافر في كليهما.
ولا يزال لفظ الطُّرْطُور مستعملًا بدلالتيه السابقتين في عربيتنا المعاصرة، وفي لغة الحديث اليومي.
** **
- عضو هيئة تدريس بقسم أصول اللغة جامعة الأزهر