فاطمة آل مبارك
في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، تتجه الأنظار إلى المدن الذكية، والمشروعات العملاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد، بوصفها أبرز ملامح التنمية الحديثة. غير أن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية، وإن كان أقل حضورًا في النقاش العام، يتمثل في الهوية المكانية تلك المنظومة التي تمنح المكان شخصيته، وتربط الإنسان بأرضه، وتصوغ الصورة الذهنية للوطن في وجدان أبنائه وفي نظر العالم. فالاسم الجغرافي وعاء للذاكرة، وشاهد على التاريخ، وحامل للدلالات الثقافية والاجتماعية، وعنصر من عناصر الهوية الوطنية التي تتوارثها الأجيال.
وفي هذا الإطار، يبرز موضوع مراجعة بعض مسميات الهجر والقرى بوصفه أحد الموضوعات الجديرة بالدراسة الهادئة، بعيدًا عن الانطباعات أو الاجتهادات الفردية، فالقضية لا تتعلق بمجرد تغيير أسماء أو الإبقاء عليها، وإنما بإدارة الهوية المكانية وفق رؤية علمية ومؤسسية تحفظ التاريخ، وتصون الذاكرة، وتستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التنمية والتحول الرقمي.
أن المسميات الجغرافية اليوم أحد المكونات غير المادية التي تستثمرها الدول في ترسيخ هويتها الوطنية، وتعزيز قوتها الناعمة، وبناء علامتها الحضارية. فالاسم جزء من البنية المؤسسية للدولة الحديثة، وركيزة من ركائز الحوكمة المكانية وإدارة المعرفة فكل اسم يُعتمد رسميًا يدخل اليوم في الخرائط الرقمية، والعنوان الوطني، والسجل العقاري، والخدمات البريدية، ومنصات الملاحة، والأنظمة اللوجستية، وقواعد البيانات الحكومية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وبذلك، يصبح الاسم عنصرًا من عناصر البنية المعلوماتية للدولة، تؤثر دقته واتساقه في جودة البيانات، وكفاءة الخدمات، وسلامة التخطيط، وسهولة الاستثمار، ودقة اتخاذ القرار.
والحديث عن المسميات الجغرافية ينبغي ألا يُختزل في الدعوة إلى تغيير بعض الأسماء أو الإبقاء عليها، لأن هذا الطرح لا يعكس جوهر القضية. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نغير أسماء بعض القرى أو الهجر؟ بل: كيف ندير الهوية المكانية للمملكة بما يحفظ تاريخها، ويعزز هويتها، ويواكب تحولات الدولة الحديثة؟
لقد نشأت أسماء كثير من المدن والقرى والهجر في المملكة العربية السعودية ضمن سياقات تاريخية وبيئية واجتماعية متباينة، فارتبطت بطبيعة المكان، أو بموروثه الثقافي، أو بالأحداث التي شهدها، أو بالصفات التي عُرف بها في مراحل زمنية مختلفة. ولم تكن هذه المسميات مجرد ألفاظ للتعريف بالمواقع، بل مثلت سجلًا حيًا لذاكرة المكان، واختزلت في دلالاتها جوانب من تاريخ المجتمع وتحولاته وعلاقته ببيئته.
ومع مرور العقود، شهدت هذه المواقع تحولات تنموية واسعة فتوسعت عمرانياً، وتطورت خدماتها، وتبدلت وظائفها الاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت بعض القرى مدنًا، وبعض الهجر مراكز تنموية ذات أدوار جديدة. وفي ظل هذه المتغيرات، قد تبرز حالات تصبح فيها بعض المسميات أقل تعبيرًا عن الواقع الراهن، أو تظهر تحديات تنظيمية تتمثل في تكرار الأسماء، أو تعدد صيغ كتابتها، أو صعوبة مواءمتها مع الأنظمة الرقمية الحديثة وقواعد البيانات الجغرافية.
ومع ذلك، فإن القيمة التاريخية لهذه المسميات تظل ثابتة، وتستحق التوثيق والصون بوصفها جزءًا أصيلًا من الإرث الوطني. فالحفاظ على ذاكرة الأسماء لا يتعارض مع متطلبات التنمية والتحديث، بل يكملها ويمنحها عمقًا حضاريًا، من خلال توثيق الأسماء التاريخية وأصولها ودلالاتها، لتبقى مرجعًا معرفيًا يؤرخ لمسيرة المكان، ويحفظ هوية المجتمع، ويعزز الوعي بالأبعاد الثقافية والحضارية للمسميات الجغرافية عبر الأجيال.
وقد أدركت دول عديدة أن إدارة المسميات الجغرافية جزء من سياسات الدولة في حفظ الهوية الوطنية وتنظيم البيانات المكانية، ولذلك أنشأت لجانًا وطنية متخصصة، وربطت اعتماد المسميات بالخرائط الرسمية والأنظمة الرقمية والمعايير الدولية، بما يحقق الاتساق بين الإرث التاريخي ومتطلبات الإدارة الحديثة، ويضمن استقرار المرجعيات المكانية عبر مختلف القطاعات.
ومن هنا، فإن المملكة، بما تمتلكه من إرث جغرافي وثقافي عريق، وبما تشهده من نهضة تنموية غير مسبوقة، تمتلك فرصة نوعية لتطوير نموذج وطني متكامل في حوكمة المسميات الجغرافية، يجمع بين المحافظة على الذاكرة التاريخية، ورفع كفاءة البيانات المكانية، وتعزيز الهوية الوطنية، ودعم الاقتصاد والسياحة والاستثمار.
رؤية مقترحة إطلاق استراتيجية وطنية لحوكمة المسميات الجغرافية تُعنى ببناء منظومة مؤسسية متكاملة لإدارة الهوية المكانية، ترتكز على توثيق الموروث الجغرافي، ووضع معايير علمية لمراجعة المسميات عند الحاجة، وتوحيد المرجعيات الرسمية والرقمية، وتعزيز الحضور المحلي والدولي للمسميات السعودية، بما يحفظ الذاكرة الوطنية، ويرتقي بجودة المشهد الحضاري، ويرفع كفاءة البيانات المكانية، ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء وطن راسخ الهوية، متجدد الحضور، وعميق الأثر.
صفوة القول: الأسماء رسائل حضارية تعيش لعقود وربما لقرون، وتحمل في حروفها ذاكرة المكان وسيرة الإنسان، وحين يكون الاسم معبرًا عن التاريخ، ومنسجمًا مع الحاضر، وقادرًا على مواكبة المستقبل، فإنه يتحول من مجرد مسمى إلى أحد الأصول الحضارية للدولة، يختصر هوية المكان، ويصون ذاكرته، ويمنح الأجيال رابطًا متينًا بين الماضي والحاضر والمستقبل.