وليد غربه
لا أحد يستطيع أن ينكر حجم النهضة السعودية الضخمة في كافة قطاعات الدولة خصوصاً القطاعات الصناعية والاقتصادية التي تعول عليهما المملكة في تنويع مصادر الدخل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
فالمملكة تخطو بخطى متسارعة في أكثر من اتجاه لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 من خلال تنفيذ الخطط والمشاريع الطموحة والوصول لمعدلات النمو التي وضعتها القيادة.
وتواصل الدولة السعودية تنفيذ عملية تحديث شاملة لمختلف قطاعاتها ومرافقها بالتوازي مع المشاريع الطموحة لجذب الاستثمارات وتوطين الصناعات الإستراتيجية وصولاً إلى توطين التقنيات المتقدمة والحوسبة السحابية وتعزيز برامج الابتعاث التي لا تتوقف.
ويبرز البرنامج النووي السعودي بوصفه أحد المشاريع الإستراتيجية للمملكة وأحد أهم الركائز الرئيسية لرؤية 2030.
ذلك البرنامج الذي يحظى بدعم سمو ولي العهد شخصياً بما له من ثقل دولي وعالمي وكقيادة واعية يعرف جيداً حجم التحديات، وكيف يقود الصراعات وكيف يتم التفاوض في المشاريع الإستراتيجية الكبرى، فهو رجل دولة يستطيع تحقيق هذا الحلم السعودي الذي ظل حبيس الصدور لسنوات طويلة يكاد الآن أن يصبح حقيقة، فالمملكة تتحرك وفق إستراتيجية واضحة لتنويع مصادر الطاقة وتأمين بدائل مستدامة لها مع تعزيز السيادة التكنولوجية عبر المشروع الوطني للطاقة الذرية، والمملكة تخطط لأن تكون إحدى الدول الكبرى المنتجة للطاقة النظيفة والنووية أيضاً وليست الأحفورية فقط لأنها دائماً ركيزة أساسية لاستقرار إمدادات الطاقة في العالم لكونها لم تتلاعب يومًا بالأسعار أو بحصص الإنتاج بل ظلت شريكًا موثوقًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهذا ما يمنحها احتراماً وتقديراً عالمياً سوف بجعل منها عملاق الطاقة القادم بكل أنواعها سواء أحفورية أو نظيفة أو نووية.
إن مشاريع بناء المفاعلات النووية السلمية أصبح ضرورة ملحة لأسباب عديدة أهمها:
1 - أن المفاعلات النووية تنتج طاقة كهربية رخيصة بتكلفة تشغيلية منخفضة على المدى الطويل.
2 - تمتاز المفاعلات النووية بطول عمرها مقارنةً بمحطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية لأن عمرها التشغيلي أطول ويصل لنحو 60 عاماً.
3 - تعمل المفاعلات النووية على توفير الوقود الأحفوري مما يؤدي لتوجيهه لصناعات تحويلية أخرى.
4 - المفاعلات النووية أيضا مصدر مهم لتحلية المياه العذبة وبكميات كبيرة تصلح لأغراض كثيرة وحيوية منها مياه الشرب والزراعة.
5 - توطين صناعات جديدة وتقنيات متقدمة وتأهيل الكفاءات الوطنية في العمل بصناعة جديدة ومتقدمة تقوم عليها صناعات كثيرة كما أنها تصلح لكثير من الأغراض السلمية في الطب والصناعة والبحث العلمي، كما أن صناعة وبناء المفاعلات النووية يحتاج دول لديها القدرة المادية والبشرية والخبرات اللازمة ولديها أيضاً بنية تكنولوجية متقدمة وجامعات ومدن معرفية متطورة لتخدم هذا المشروع.
ويسعى قادة المملكة لإضافة الطاقة النووية إلى عناصر القوة السعودية المتعددة، فبعد أن خطت المملكة خطوات واسعة في مجال الطاقة النظيفة من خلال مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح واستثماراتها الضخمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر وقود المستقبل والركيزة الأساسية لتحقيق الحياد الكربوني المستدام، وتتجه المملكة اليوم إلى بناء برنامج نووي سلمي متكامل بما يحمله من أبعاد علمية وبحثية واقتصادية تعزز مكانة الدولة السعودية.
إن الطاقة النووية توفر نحو 10 % من طاقة العالم عبر أكثر من 440 مفاعل نووي في اكثر من 30 دولة وتنتج 413 جيجاواط ربما تغاضت الدولة سابقا عن بناء مفاعلات نووية بسبب الوفرة النفطية، وما كان غير ضرورى بالأمس أصبح ضرورة ملحة اليوم، والمملكة اليوم تبني مفاعل أبحاث منخفض القدرة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالرياض بقدرة 30 إلى 100 كيلوواط ويخصص لأغراض التدريب والبحث العلمي وتأهيل الكفاءات الوطنية، هذا وتعتزم المملكة إدخال المفاعلات الكبيرة ومفاعلات الوحدات الصغيرة المدمجة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه بما يعزز أمن الطاقة والمياه على المدى الطويل، إن المملكة تعتزم الدخول بقوة في برامج الطاقة النووية وتطوير برنامجها السلمي لأسباب من أبرزها أن التقديرات تشير لامتلاكها احتياطيات واعدة من اليورانيوم الثوريوم تقدر بنحو 90 ألف طن وهو يمثل قاعدة مهمة لدعم البرنامج النووي مستقبلا، وفي هذا الإطار تعمل المملكة على استكمال ترتيبات اتفاقية التعاون النووي المعروفة باتفاقية 123 التاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية لنقل الهندسة النووية المتقدمة وتعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ومن المتوقع أن يجذب هذا المشروع استثمارات بمليارات الدولارات إلى جانب دعم توطين الصناعات النووية المتقدمة وخلق فرص اقتصادية وصناعية واعدة، وتقود الشركة السعودية للطاقة النووية القابضة عملية تنافسية كبرى لاختيار المطور الرئيسي لبناء محطة الدويهين النووية التي تقع على الساحل بالقرب من الحدود مع الإمارات وقطر والتي سوف يتم فيها تنفيذ مفاعلين كبيرين بقدرة 2.8 جيجاوات، وتشهد هذه المنافسة تقديم عطاءات من 5 عمالقة دوليين هم الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية وفرنسا التي تعرض التزاما عاليا لتوطين الصناعة بالإضافة إلى الصين وروسيا اللتين لديهما مرونة تكنولوجية كما أن لهما سجلهما الطويل في إنشاء المفاعلات السريعة وبناء دورات الوقود.
إن المملكة العربية السعودية تعد أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم وتستهلك هذه العملية كميات هائلة من الوقود الاحفوري، ويعد التوسع في بناء المفاعلات النووية هو حل استراتيجي ومستدام لدعم تحلية المياه وتوليد الكهرباء بما يسهم في توفير مئات الآلاف من براميل النفط لإتاحة تصديرها لتعظيم العائد الاقتصادي، كما تتميز الطاقة النووية بانخفاض الانبعاثات الكربونية منها مقارنة بمحطات الوقود الأحفوري.
وبالتوازي مع بناء البنية التحتية تعمل المملكة على تأهيل العلماء والباحثين السعوديين حيث يشارك 30 باحثاً ومهندساً سعودياً في برامج محاكاة وتشغيل المفاعل البحثي بالرياض هذا بخلاف برامج الابتعاث واتفاقيات التدريب الاستراتيجية مع مع جهات تنظيمية عالمية لتدريب المراقبين والمفتشين السعوديين، وقد انتقل البرنامج النووي السعودي تدريجيا من مرحلة التخطيط إلى تنفيذ البنية التحتية وبناء المنشآت اللازمة لإنتاج الكعكة الصفراء محليا في خطوة أولى مهمة نحو برنامج نووي سلمي طموح ومتكامل.
إن سمو ولي العهد يصر على امتلاك المملكة الدورة الكاملة للوقود النووي بما يشمل تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية مع التمسك بحقوق المملكة التي تكفلها الاتفاقيات الدولية في تطوير برنامجها النووي السلمي وفق أعلى معايير السلامة الدولية.
ونحن نعلم تماما أن ولي العهد قادر على تحقيق ذلك.
** **
- كاتب صحفي ومحلل سياسي