حذامي محجوب
أغلقت هاتفها بعد ساعة من البث المباشر. اختفت الابتسامة التي كانت تملأ الشاشة، وعاد الصمت إلى الغرفة. قبل دقائق فقط، كانت تضحك أمام آلاف المتابعين، تروي تفاصيل يومها، تكشف جانبًا من حياتها الخاصة، وتلاحق التعليقات التي كانت تتدفق بلا توقف. وحين انطفأت الكاميرا، لم يبق معها سوى هدوء ثقيل، ووجهٍ أنهكه التمثيل، وأرقامٍ كثيرة لا تعرف كيف تمنح صاحبها الطمأنينة.
هذا المشهد لم يعد استثناءً في زمن المنصات الرقمية، بل أصبح صورة لعصر جديد لم تعد فيه الشهرة مجرد نتيجة للموهبة أو الإنجاز، بل أصبحت أحيانًا صناعة تقوم على كشف ما كان الإنسان يخفيه، وعرض ما كان يعتبره يومًا جزءًا من خصوصيته.
لقد تغيَّرت قواعد اللعبة. لم يعد السؤال فقط: ماذا تقدم للناس؟ بل أصبح: ماذا أنت مستعد أن تكشف عن نفسك كي يبقى اسمك حاضرًا؟
ومن هنا تبدأ الحكاية..
لم يعد غريبًا أن يحلم الإنسان بالشهرة. فمنذ القدم، سعى الشعراء إلى الخلود، وحلم الفنانون بالتصفيق، واجتهد العلماء ليبقى أثرهم بعد رحيلهم. فالشهرة في ذاتها ليست تهمة، بل قد تكون ثمرة طبيعية للموهبة، أو الإبداع، أو الإنجاز.
غير أن ما تغيّر في عصر المنصات الرقمية ليس الرغبة في الشهرة، بل الطريق المؤدي إليها.
لقد نشأ اقتصاد جديد لا تُقاس فيه القيمة بما يضيفه الإنسان إلى العالم، بل بما يستطيع أن ينتزعه من انتباه الآخرين. وأصبح الانتباه سلعة، وصار كل شيء قابلًا للبيع إذا كان قادرًا على حصد المزيد من المشاهدات.
في هذا السوق المفتوح، لم يعد السؤال: ماذا أنجزت؟ بل: كيف تجعل الناس ينظرون إليك؟
ولهذا لم يعد بعض صنَّاع المحتوى يتنافسون في جودة الأفكار، بل في حجم الصدمة. أحدهم يفتعل شجارًا أمام الكاميرا، وآخر يحوّل الإهانة إلى عرض يومي، وثالث يتعمد استفزاز المجتمع أو الإساءة إلى الرموز، لأنه يدرك أن الغضب هو أسرع محركات خوارزميات المنصات.
والأعجب من ذلك أن بعضهم لم يعد يخشى الانتقاد، بل ينتظره. فكل حملة استنكار تُترجم إلى انتشار، وكل هجوم يتحول إلى إعلان مجاني، حتى أصبح البعض يتعامل مع الغضب الجماهيري باعتباره جزءًا من خطته التسويقية.
لكن المأساة لا تقف عند هذا الحد.
فقد تحولت الحياة الخاصة نفسها إلى مادة للاستهلاك. هناك من يصور خلافاته الزوجية، وآخر يبث دموعه أمام الملايين، وثالث يجعل أبناءه جزءًا من مشروعه التجاري، ورابع لا يترك زاوية في بيته إلا فتحها أمام الكاميرا.
لم تعد الخصوصية قيمة تُصان، بل أصبحت، في نظر البعض، فرصة ضائعة لجمع مزيد من المتابعين.
والنتيجة أن الإنسان لم يعد يعيش حياته بقدر ما أصبح يؤديها. يفرح من أجل الكاميرا، ويحزن من أجل الكاميرا، ويصالح من أجل الكاميرا، ويغضب من أجل الكاميرا، حتى كادت الحياة الحقيقية تختفي خلف شاشة الهاتف.
وفي الضفة الأخرى من هذا المشهد، اختارت كثير من النساء، ولا سيما على منصات مثل إنستغرام، أن تجعل من الجسد مشروعًا للاستثمار في سوق المتابعين. فكلما تقلَّصت مساحة القماش، اتسعت مساحة الانتشار، وكلما ازداد الاستعراض، تضاعفت الأرقام. إنها معادلة قد تبدو رابحة في عالم المنصات، لكنها في الحقيقة تخفي خسارة أكبر.
ولسنا هنا ندين الجمال، فالجمال قيمة إنسانية راقية، وهو أحد أوجه الإبداع الإلهي في الإنسان، وسيظل الجمال يلفت الأنظار ويستحق الإعجاب. لكن الفرق كبير بين الاحتفاء بالجمال، وبين تحويله إلى سلعة للاستهلاك اليومي.
فالجمال لا تزداد قيمته كلما أصبح متاحًا للجميع، بل يحتفظ بسحره حين يقترن بالهيبة والخصوصية والذوق. وكل ما يُستهلك بإفراط يفقد بريقه، وكل ما يُعرض بلا حدود يتآكل أثره مع الزمن. ولذلك لم يكن الغموض يومًا عدوًا للجمال، بل أحد أسراره، ولم تكن الخصوصية قيدًا على المرأة، بل كانت جزءًا من حضورها واحترامها.
إن التعرية قد تحصد المتابعين، لكنها كثيرًا ما تنتزع من الجمال معناه، وتحوله من قيمة إنسانية إلى بضاعة تخضع لقانون العرض والطلب؛ تُستهلك اليوم، ويُبحث غدًا عن بضاعة أكثر إثارة. فالجسد الذي يُستثمر في جمع الإعجابات يفقد مع الوقت فرادته، لأن كل ما يتحول إلى سلعة يخضع في النهاية لمنطق السوق، حيث لا ولاء إلا للأكثر إثارة، ولا مكان إلا للجديد.
فالمرأة لا تترك أثرًا لأنها كشفت المزيد من جسدها، بل لأنها كشفت عن عقلها، وثقافتها، وموهبتها، وشخصيتها. وقد تستوقف الصورة الأبصار لثوانٍ، لكن الشخصية هي التي تبقى في الذاكرة، والعقل هو الذي يصنع الاحترام.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن الأجيال الجديدة تراقبه بصمت. فهي ترى أن دقائق من الإثارة قد تجلب من المال والمتابعين ما لا يجلبه سنوات من الدراسة أو الاجتهاد أو العمل الشريف. وهنا لا تصبح الأزمة أزمة محتوى فحسب، بل أزمة معايير، حين يختلط النجاح بالضجيج، ويصبح الانتشار بديلًا عن الإنجاز.
ولو تأملنا التاريخ لوجدنا أنه لم يحتفظ بأسماء الذين أحدثوا أكبر قدر من الضجيج، بل بأسماء الذين تركوا أثرًا حقيقيًا في حياة البشر. ما زال العالم يذكر العلماء الذين أنقذوا الأرواح، والمفكرين الذين وسعوا آفاق العقل، والأدباء الذين صاغوا وجدان الأمم، والفنانين الذين ارتقوا بالذوق العام.
أما نجوم الضجيج، فإنهم يشبهون الألعاب النارية، يملأون السماء ألوانًا للحظات، ثم لا يبقى منهم سوى الدخان.
ولا ينبغي أن نلقي اللوم كله على صناع هذا النوع من المحتوى، فالجمهور شريك أيضًا. فكل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تعليق، حتى لو كان غاضبًا، يمنح هذا المحتوى حياة جديدة. إننا كثيرًا ما نعلن رفضنا للابتذال، ثم نمنحه، دون أن نشعر، الوقود الذي يجعله يتصدر الشاشات.
لقد أعادت المنصات تعريف النجاح بطريقة مقلقة. فبدل أن يكون النجاح هو ما يضيفه الإنسان إلى مجتمعه، أصبح عند البعض هو ما يستطيع أن ينتزعه من انتباه الآخرين، ولو كان ذلك على حساب صورته، أو أسرته، أو قيمه، أو كرامته. وحين يصبح الإنسان مستعدًا لبيع كل شيء من أجل أن يبقى في دائرة الضوء، فإن المشكلة لا تعود في المنصة، بل في الثمن الذي ارتضى أن يدفعه.
إن القضية ليست في الشهرة، ولا في الجمال، ولا في الرغبة المشروعة في النجاح. فالجمال نعمة، والشهرة قد تكون ثمرة الإبداع، والانتشار قد يكون وسيلة لنشر الخير والمعرفة. لكن كل ذلك يفقد معناه عندما يصبح ثمنه كرامة الإنسان.
فالكرامة ليست تفصيلًا يمكن التنازل عنه مقابل ملايين المتابعين، وليست رقمًا في معادلة المنصات. إنها رأس مال الإنسان الحقيقي، وما عداها قابل للزوال.
قد يمنحك الترند شهرة ليوم، وقد تمنحك الخوارزميات ملايين المشاهدات، لكنهما لا يستطيعان أن يمنحاك احترامًا فقدته بإرادتك. فالاحترام لا تصنعه الكاميرات، ولا تشتريه الإعجابات، ولا تمنحه المنصات.
ولذلك سيبقى الفرق شاسعًا بين من يصنع لنفسه اسمًا، ومن يبيع نفسه ليصنع اسمًا.
الأول قد يتأخر، لكنه يبقى. أما الثاني فقد يملأ الشاشات اليوم، ثم يرحل غدًا دون أن يترك وراءه سوى ضجيج انطفأ بانطفاء الترند.
وفي النهاية، لا ينتصر الأكثر ظهورًا، بل ينتصر الأكثر احتفاظًا بكرامته.
فكل شيء يمكن أن يعوَّض في هذه الحياة.. إلا الإنسان حين يفرِّط في احترامه لنفسه.