صبحي شبانة
... لم تعد البحار والمحيطات في القرن الحادي والعشرين مجرد حدود تفصل بين الدول، بل غدت أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي، فالممرات والمضائق البحرية التي رسمتها الطبيعة عبر التاريخ تحولت إلى شرايين للاقتصاد العالمي، وإلى أوراق ضغط سياسية لا يقل تأثيرها عن حاملات الطائرات أو الترسانات العسكرية، وفي مقدمة هذه الممرات يبرز البحر الأحمر، الذي انتقل خلال سنوات قليلة من كونه طريقًا حيويًا للتجارة الدولية إلى إحدى أكثر ساحات التنافس الجيوسياسي حساسية، بعدما تداخلت فوق مياهه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة، وتشابكت عنده مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية، ولا تعكس هذه التطورات مجرد تغير في طبيعة الصراع، بل تعبر عن تحول جوهري في معايير القوة والنفوذ. فلم تعد السيطرة على اليابسة وحدها كافية لترسيخ المكانة الإستراتيجية، بل أصبحت القدرة على حماية الممرات البحرية، أو التأثير في أمنها وحركة الملاحة عبرها، أحد أبرز مقومات النفوذ في عالم شديد الترابط، ومن هنا يغدو البحر الأحمر أحد المفاتيح الرئيسة في إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، لأن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليه، بل تمتد ارتداداته سريعًا إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية.
ولا يُقاس الخطر الذي يتهدد الممرات البحرية بعدد السفن التي تتعرض للاستهداف، بقدر ما يُقاس بحجم الاضطراب الذي يُحدثه في الأسواق العالمية، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لرفع أقساط التأمين البحري، وزيادة تكاليف النقل، ودفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها ومساراتها، أطول وأكثر كلفة، بما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والطاقة ويضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، وهكذا لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق لعبور السفن، بل أصبحت إحدى أهم أدوات التأثير السياسي والاقتصادي، وأحد أبرز ميادين الصراع على النفوذ في النظام الدولي المعاصر، ومن هنا برز مفهوم جديد في الأدبيات الجيوسياسية يعرف بـالإكراه الجيوسياسي، وهو توظيف الموقع الجغرافي أو الممرات الإستراتيجية لرفع كلفة القرارات السياسية على الخصوم، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، ويعد البحر الأحمر أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول، إذ أصبح الأمن فيه مرتبطًا بحسابات دولية معقدة تتجاوز حدود الإقليم، وتربط بين أمن الطاقة، واستقرار الأسواق، وحركة التجارة العالمية.
ولقد أدى تصاعد دور الفاعلين غير الحكوميين خلال العقدين الأخيرين إلى إحداث تحول جوهري في طبيعة الصراعات الإقليمية، فبدلًا من المواجهات العسكرية المباشرة بين الدول، برزت حروب الوكلاء باعتبارها إحدى أكثر أدوات إدارة النفوذ فاعلية، حيث تؤدي الجماعات المسلحة أدوارًا تتجاوز حدودها الوطنية لتصبح جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي، وفي هذا السياق لم تعد جماعة الحوثي تُقرأ باعتبارها طرفًا يمنيًا فحسب، بل غدت عنصرًا مؤثرًا في شبكة تفاعلات إقليمية معقدة، مستفيدة من الموقع الجيوستراتيجي لليمن المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ولم يعد من الممكن فصل التصعيد في البحر الأحمر عن مجمل التفاعلات التي يشهدها الشرق الأوسط، فالأزمات التي تبدو متباعدة جغرافيًا أصبحت مترابطة سياسيًا وأمنيًا، وأي توتر في الخليج ينعكس بصورة مباشرة على البحر الأحمر، كما يمكن لأي تصعيد في باب المندب أن يتحول إلى ورقة ضغط في ملفات إقليمية ودولية أخرى، وهكذا باتت المنطقة بأسرها تشكل منظومة أمنية مترابطة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، بحيث لم يعد من الممكن التعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى.
وبقدر ما ازدادت أهمية البحر الأحمر في معادلات الأمن الدولي، ازداد الوزن الجيوسياسي لليمن، لا بسبب ما يمتلكه من قوة عسكرية أو اقتصادية، وإنما بحكم موقعه الفريد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وكان من الممكن لهذا الموقع أن يجعل اليمن مركزًا إقليميًا للتجارة والخدمات اللوجستية، وشريكًا رئيسيًا في حركة الاقتصاد العالمي، غير أن سنوات الصراع الطويلة حولته من مصدر للفرص إلى بؤرة للمخاطر، فتراجعت مؤسسات الدولة، وتقلصت فرص التنمية، وأصبح المواطن اليمني يدفع ثمن صراع تجاوز في أبعاده حدود بلاده، ولم يكن تصاعد التوترات البحرية هو التغير الوحيد الذي شهدته المنطقة، بل رافقه تبدل عميق في معايير القوة والنفوذ، فلم تعد الدول تقيس مكانتها بما تمتلكه من جيوش وقدرات عسكرية فقط، بل بقدرتها على حماية حركة التجارة العالمية، وتأمين الممرات الإستراتيجية، أو التأثير فيها عند الضرورة، ومن هنا تحولت المضائق البحرية إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية، وأصبحت السيطرة على خطوط الملاحة، أو تهديدها، جزءًا من أدوات إدارة الأزمات الإقليمية.
وفي هذا الإطار قامت إيران طيلة العقود الماضية على بناء شبكة من التحالفات والارتباطات مع ميليشيات مسلحة مارقة في عدد من دول الشرق الأوسط، بما وفر لها هامشًا أوسع للمناورة الإستراتيجية، وأتاح لها توزيع أدوات الضغط على أكثر من جبهة، وبهذه المقاربة لم تعد الأزمات الإقليمية تُدار بوصفها ملفات مستقلة، بل كعناصر ضمن مشهد إستراتيجي واحد، يؤثر التصعيد في أيٍّ منها في حسابات بقية الأطراف، ويزيد من تشابك التفاعلات في المنطقة بأسرها، ومن هنا لا يمكن النظر إلى باب المندب باعتباره مضيقًا منفصلًا عن بقية الممرات الإستراتيجية، بل يمثل حلقة رئيسة في منظومة بحرية تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز، مرورًا ببحر العرب وخليج عدن، وصولًا إلى البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب في إحدى حلقات هذه المنظومة ينعكس بصورة مباشرة على بقية الممرات، ويؤثر في حركة التجارة والطاقة، ويضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي، ولذلك لم يعد أمن البحر الأحمر قضية إقليمية تخص الدول المطلة عليه وحدها، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، ولهذا شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة حضورًا بحريًا دوليًا متزايدًا، وتنسيقًا واسعًا لحماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة، إدراكًا لحقيقة أن كلفة تعطيل التجارة العالمية أصبحت أكبر بكثير من كلفة المحافظة على أمن الممرات البحرية.
وفي خضم هذه المتغيرات برزت المملكة العربية السعودية بوصفها صاحبة رؤية إستراتيجية مختلفة تجاه البحر الأحمر فلم تعد تنظر إليه باعتباره حدودًا بحرية تحتاج إلى الحماية فحسب، بل باعتباره محورًا رئيسيًا لمستقبلها الاقتصادي، وركيزة لمشروعاتها التنموية الكبرى، وتعكس رؤية المملكة 2030 هذا التحول بوضوح، من خلال ما تشهده سواحل البحر الأحمر من مدن حديثة، وموانئ متطورة، ومناطق لوجستية، ومشروعات سياحية عملاقة، تجعل هذا الممر أحد أهم محركات النمو في المنطقة، ومن الطبيعي في ظل هذه الرؤية أن تحرص المملكة على بقاء البحر الأحمر فضاءً مفتوحًا للتجارة والاستثمار، لا ساحة لتبادل الرسائل العسكرية فكل مشروع تنموي على امتداد الساحل الغربي يرتبط باستقرار البيئة البحرية، وضمان حرية الملاحة، وتعزيز ثقة المستثمرين والأسواق العالمية ومن ثم فإن أي تهديد لأمن الملاحة لا يستهدف السفن وحدها، بل يمتد أثره إلى بيئة الاستثمار، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، وخطط التنمية الإقليمية.
وفي المقابل يقف اليمن أمام مفارقة تاريخية مؤلمة، فالدولة التي منحها موقعها الجغرافي فرصة نادرة لتكون مركزًا بحريًا وتجاريًا يربط ثلاث قارات وجدت نفسها بفعل الحرب تفقد كثيرًا من المزايا التي كان يمكن أن تجعلها أحد أهم الاقتصادات البحرية في المنطقة وتحولت موانئها من بوابات محتملة للنمو إلى مرافق تعاني آثار الصراع، بينما بقيت مواردها البشرية والاقتصادية رهينة حالة ممتدة من عدم الاستقرار، ومن المفارقات اللافتة أن المملكة العربية السعودية ظلت على امتداد عقود من أكبر الداعمين لليمن وشعبه، سواء باستقبال ملايين اليمنيين للعمل والإقامة، أو من خلال دعم مشروعات التنمية، وتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، وانطلقت هذه السياسة من قناعة راسخة بأن استقرار اليمن يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الخليج والبحر الأحمر، ولهذا فإن استمرار الصراع لا يحرم اليمنيين من فرص التنمية فحسب، بل يهدر أيضًا إمكانات التكامل الاقتصادي التي كان يمكن أن تجعل البحر الأحمر مساحة للازدهار المشترك بدلًا من أن يبقى ساحة مفتوحة للتوتر.