عمرو أبوالعطا
في تاريخ النهضة العربية أسماء صنعت أثرها في صمت، وأخرى دوّى حضورها في معارك الفكر والأدب والاجتماع، وبين هذه الأسماء تتلألأ زينب فواز بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات النسائية فرادة وتأثيرًا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فقد خرجت من بيئة ريفية متواضعة في جبل عامل إلى فضاء عربي واسع، واستطاعت أن تفرض حضورها كأديبة ومؤرخة وشاعرة وصحفية وروائية ومفكرة اجتماعية، حتى استحقت لقب «درة الشرق»، ذلك اللقب الذي اختصر مكانتها في زمن كان حضور المرأة في المجال العام محدودًا ومحاطًا بقيود ثقيلة.
كانت زينب فواز مشروعًا نهضويًا متكاملًا، إذ جمعت بين الثقافة الواسعة والجرأة الفكرية والقدرة الأدبية، وسخرت قلمها للدفاع عن المرأة وحقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية. وقد سبقت في كثير من أطروحاتها أسماء ارتبطت لاحقًا بحركة تحرير المرأة، وفي مقدمتها قاسم أمين، فشكلت بصوتها المبكر واحدًا من الجذور الأساسية للفكر النسوي العربي.
وُلدت زينب بنت علي بن حسين بن عبيد الله بن حسن بن إبراهيم بن محمد بن يوسف فواز في بلدة تبنين بجبل عامل في جنوب لبنان، عام 1844، نتيجة غياب تاريخ دقيق موثق. نشأت في أسرة فقيرة، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية، حيث كانت تبنين آنذاك مقر إمارة آل علي الصغير تحت حكم علي بك الأسعد. وقد بدت ملامح الذكاء والنجابة على الفتاة الصغيرة مبكرًا، فلفتت انتباه السيدة فاطمة بنت أسعد الخليل، زوجة حاكم البلدة، التي أخذتها تحت رعايتها أثناء عملها في قصر آل الأسعد.
شكّل هذا القصر نقطة تحول حاسمة في حياتها، إذ أتيحت لها فرصة التعليم في زمن كان تعليم النساء فيه استثناءً نادرًا. تعلمت القراءة والكتابة، ودرست القرآن والأدب والشعر والعلوم الدينية، واستفادت من البيئة الثقافية التي عرف بها جبل عامل، ذلك الإقليم الذي احتضن مكتبات ومخطوطات ومجالس علم وأدب تركت أثرًا عميقًا في وعيها المبكر. داخل هذا الفضاء الثقافي تبلورت شخصيتها الفكرية، وتكونت علاقتها بالمعرفة بوصفها طريقًا للارتقاء والتحرر.
لم تكن زينب فواز مجرد فتاة تعمل في خدمة القصر، فقد امتلكت شغفًا استثنائيًا بالتعلم، واستثمرت كل فرصة متاحة لتوسيع معارفها. ومن هذه البيئة التي جمعت بين المحافظة والانفتاح، خرجت امرأة تحمل بذور مشروع فكري سوف يتسع لاحقًا ليصبح جزءًا من خطاب النهضة العربية.
قادتها الظروف بعد ذلك إلى بيروت ثم الإسكندرية فالقاهرة، وكانت مصر في تلك المرحلة مركزًا للحياة الفكرية العربية ووجهة للمثقفين الشوام الذين قصدوا أرضها طلبًا للحرية وفرص العمل والانخراط في الحركة الثقافية. وهناك التحقت بأخيها المحامي محمد علي فواز، وانفتحت أمامها أبواب جديدة للعلم والأدب.
في القاهرة درست الصرف والبيان والعروض على يد حسن حسني الطويراني صاحب جريدة «النيل»، كما درست النحو والإنشاء على يد الشيخ محيي الدين النبهاني. وقد ساعدها هذا التكوين العلمي على صقل أدواتها اللغوية والفكرية، فدخلت عالم الصحافة الذي كان آنذاك قلب النقاشات الاجتماعية والسياسية.
نشرت مقالاتها في صحف ومجلات عديدة، منها «النيل» و«لسان الحال» و«المؤيد» و«اللواء» و«الأهالي» و«الاتحاد المصري» و«المقتطف» و«أنيس الجليس» و«البستان» و«فرحة الأوقات» ومجلة «الفتاة». ومن خلال هذه المنابر تناولت قضايا الإصلاح والتعليم والعمل، كما ناقشت أوضاع المجتمع والاستعمار والوطنية، ودعت إلى مقاومة المحتل واستنهاض روح النهضة.
في هذا المناخ المصري المتوهج تشكل وعيها النسوي بصورة أوضح، وأدركت أن الصحافة قادرة على أن تكون ساحة تغيير لا مجرد وسيلة نشر. كانت كتاباتها مباشرة وقوية، تخاطب العقل والحس الأخلاقي معًا، وتعتمد على الحجة والمنطق أكثر من الخطابة المجردة.
وتحتل زينب فواز مكانة رائدة في تاريخ السرد العربي، إذ تعد أول روائية عربية مع روايتها «حسن العواقب أو غادة الزاهرة» الصادرة سنة 1899، متقدمة بخمسة عشر عامًا على رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل التي ظلت طويلًا تُعد الرواية العربية الأولى.
تدور أحداث «حسن العواقب» حول صراع بين الأميرين تامر وشكيب على الحكم وعلى الزواج من فارعة ابنة العم التي تحب شكيب وترفض الزواج من تامر الذي يقدم على اختطافها. ومن خلال هذه الحبكة ناقشت زينب فواز حق المرأة في اختيار شريك حياتها ورفض الزواج القسري، وربطت بين الاستبداد السياسي والهيمنة الاجتماعية، عارضة صورة لعادات وتقاليد بعض عشائر جبل عامل وصراعات السلطة التي عصفت بالمجتمع.
كانت الرواية ذات طابع سياسي واجتماعي، تتخللها استشهادات شعرية ولغة تعكس ثقافة عصرها، وقدمت فيها شخصيات تمتلك دوافع وإرادة، خاصة شخصية فارعة التي بدت رمزًا لحق المرأة في تقريرمصيرها. ومن هنا جاءت أهمية العمل بوصفه نصًا أدبيًا وبيانًا فكريًا في آن واحد.
وفي عام 1905 نشرت روايتها التاريخية «الملك كورش» أو «ملك الفرس»، التي مزجت بين التاريخ والغرام، وأظهرت قدرتها على توظيف الوقائع التاريخية لخدمة رؤى فكرية واجتماعية. وقد كشفت أعمالها الروائية عن وعي بالحداثة وتأثر بالكتابات الغربية، مع احتفاظها بجذور عربية واضحة في البناء والأسلوب.
ولم يتوقف عطاؤها عند الرواية، فقد دخلت المسرح من أبوابه الأولى عبر مسرحيتها الشعرية «الهوى والوفاء» المطبوعة سنة 1893، لتكون من أوائل النساء العربيات اللاتي كتبن للمسرح. وقد استخدمت الشكل المسرحي للتعبير عن رؤاها الإنسانية والاجتماعية، مستثمرة الحوار والدراما في إيصال رسائلها.
أما الشعر فكان حاضرًا في حياتها وأعمالها، إذ امتلكت ديوانًا ضاع معظمه، غير أن بعض قصائدها بقيت متناثرة في كتبها ومقالاتها. تناول شعرها موضوعات اجتماعية وإخوانية ومناسبات متنوعة، واستثمرته في تعزيز خطابها الإصلاحي، كما أدرجته داخل الروايات والمسرحيات لإضفاء بعد جمالي وعاطفي على السرد.
ومن أبرز منجزاتها الفكرية كتاب «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» الصادر سنة 1893، وهو موسوعة نسوية رائدة تقع في أكثر من خمسمائة صفحة، ترجمت فيها لحوالي 456 امرأة من الشرق والغرب ومن عصور وطبقات مختلفة. وقد جاء هذا العمل استجابة لرؤية فكرية واضحة، هدفها إثبات حضور المرأة في التاريخ ونقض التصورات التي تحصرها في أدوار ضيقة.
قدمت فيه سير شخصيات مثل أم عمارة وشجرة الدر وعالمات وأديبات وملكات ومجاهدات، مؤكدة أن التاريخ الإنساني يحمل شواهد لا تحصى على قدرة المرأة على القيادة والإبداع. وقد كتبت في مقدمته أنها قامت بهذا العمل خدمة لبنات جنسها، وعدّته أفضل هدية تقدم للسيدات الفاضلات.
واستطاعت أن تشارك بهذا الكتاب في معرض شيكاغو العالمي سنة 1893 عبر رسالة وجهتها إلى رئيسة القسم النسائي برنا أو نوري بالمر، أكدت فيها أن هذا الكتاب أليق ما يقدَّم ممثلًا للشرقيات، لأنه يوثق حياة النساء ومكانتهن الاجتماعية. وقد شكلت هذه المشاركة إعلانًا مبكرًا عن حضور المرأة العربية في المحافل الدولية.
وفي ميدان الفكر النسوي خاضت زينب فواز معارك فكرية جريئة، رافضة النظرة التي تحصر المرأة في البيت وتمنعها من العمل أو المشاركة السياسية. وقد دخلت في سجال معروف مع الكاتبة هنا كوراني التي رأت أن المرأة خُلقت للواجبات المنزلية، فردت عليها زينب في مقال «المرأة والسياسة» المنشور بجريدة «النيل»، مؤكدة أن الرجل والمرأة متساويان في المنزلة العقلية، وأن اشتراك المرأة في الوظائف والأعمال العامة حق طبيعي متى امتلكت الكفاءة.
كانت ترى أن المجتمع يحتاج إلى المرأة والرجل معًا، وأن الحضارة لا تقوم إلا بالشراكة بينهما. ولهذا دافعت عن تعليم الفتيات وعدّته أساس إصلاح الأسرة والمجتمع، وشجعت الفنون ومنها المسرح، ورأت أن النهضة مرتبطة بالعلم والعمل لا بالافتخار بالأمجاد الماضية.
وقد سبقت قاسم أمين زمنيًا في الدعوة إلى تحرير المرأة، إذ نشرت مقالاتها حول هذه القضايا قبل صدور كتابه «تحرير المرأة» سنة 1899، الأمر الذي يؤكد ريادتها وأسبقيتها في هذا المجال.
وفي «الرسائل الزينبية» الصادرة سنة 1906 ظهرت شجاعتها الفكرية بأوضح صورها، حيث ناقشت نصوصًا وتأويلات استخدمت تاريخيًا في غير سياقها لتقليل شأن المرأة، مؤكدة أن المرأة التي تنجب الرجال وتربيهم لا يمكن التقليل من شأنها، وأن التمييز ضدها نتاج تراكمات اجتماعية صنعها رجال سعوا إلى استعبادها وتزييف وعيها.
كما رفضت قياس التفوق بالقوة الجسدية، وسخرت من هذا المنطق بقولها إن الأسد يكون إذن أفضل من الإنسان لأنه أقوى منه. ورأت أن الحمل والأمومة مصدر تكريم وفضيلة، وأن العمل والخبرة يعوضان أي تفاوت بدني، مستشهدة بالمرأة الفلاحة القادرة على أداء أعمال شاقة.
وتتصل أفكارها بحياتها الخاصة اتصالًا وثيقًا، فقد تزوجت أولًا من محمد محمود فواز في تبنين، غير أن التفاوت الثقافي وغياب الانسجام أديا إلى الطلاق، فخرجت من التجربة أكثر وعيًا بقضايا المرأة ومشكلاتها. ثم تزوجت أديب نظمي الدمشقي رئيس تحرير جريدة «الشام»، وانتقلت معه إلى دمشق نحو ثلاث سنوات، غير أن الحياة هناك أثقلت روحها، خاصة بعد اكتشاف تعدد زوجاته وغياب البيئة الثقافية التي عرفتها في مصر، فعادت إلى القاهرة بعد الطلاق متمسكة بحقها في الاستقلال وتحقيق ذاتها.
أثرت هذه التجارب في رؤيتها للزواج وتعدد الزوجات وحرية الاختيار، ورسخت اقتناعها بأن المرأة تحتاج إلى استقلال مادي ومعنوي يضمن كرامتها.
رحلت زينب فواز سنة 1914، بعد أن تركت تراثًا أدبيًا وفكريًا واسعًا، غير أن حضورها في الذاكرة الثقافية العربية تعرض لفترات من ال تهميش، فبدت كأنها رائدة مجهولة رغم سبقها وريادتها. ومع تطور الدراسات النقدية الحديثة عاد اسمها إلى الواجهة، وأعيد نشر أعمالها وتحقيقها، وبدأ إنصاف دورها بوصفها أول روائية عربية وصاحبة أول موسوعة نسوية عربية ومن أبرز أصوات النهضة.
لقد جمعت زينب فواز بين التراث والحداثة، واستندت إلى معرفة إسلامية وتاريخية واسعة مع انفتاح على روح العصر، فرفضت التقليد الأعمى، ودعت إلى نهضة تنبع من العمل والعلم والوعي. ومن هنا تبدو سيرتها أكثر من قصة أديبة موهوبة؛ إنها سيرة امرأة صنعت من الكلمة معركة ومن الفكر رسالة، وأضاءت بقلمها طريقًا طويلًا نحو حرية المرأة العربية وكرامتها ومشاركتها الكاملة في صناعة المجتمع. لقد كانت «درة الشرق» بحق، لا لأن عصرها منحها هذا اللقب، بل لأن أثرها ظل يلمع في تاريخ النهضة، شاهدًا على أن الأصوات التي تولد من رحم المعاناة تملك القدرة على البقاء أبعد من ضجيج الأزمنة.