حسن بن مريّع
كان تقليب الصفحات الورقية يوماً ما؛ بمثابة إعلان هدنة مع صخب العالم، لتصنع لحظة صمت مهيبة؛ يرتد فيها الوعي إلى الداخل، فينصت الفرد إلى دبيب الأفكار وهي تنمو برويّة بين السطور، ويُصنع من الحبر خريطة مستقرة للذاكرة.
أما اليوم، فقد تحولت أطراف أصابعنا؛ إلى جرافات تمر مسرعة فوق زجاج الشاشات البارد، تجرف سيلًا لامتناهياً من الكلمات دون أن تسمح لمعنى واحد أن يستقر في الذهن ويبني كينونته.
إننا نعيش منعطفاً إدراكياً حاداً، تنازلنا فيه عن وقار «القارئ المتأمل» لنرتدي عباءة «المتصفح القلق» الذي يطارد شظايا المعرفة.
هذا التغيير ليس بسيطاً، بل هو إعادة تشكيل للدماغ؛ فالقراءة مهارة مكتسبة، واليوم تعيد الشاشات برمجة الخلايا العصبية المرنة بناءً على المثيرات المتكررة، تماماً مثلما لاحظ المفكرون قديماً كيف غيرت الآلات طريقة تفكيرهم، حيث يفرض الإنترنت ثقافة السرعة والتشتت؛ حتى صرنا نمل سريعاً ونعجز عن قراءة صفحات قليلة من كتاب مطبوع.
إن الشاشات صغّرت صندوق الحفظ المؤقت في عقولنا (الذاكرة العاملة) لتستوعب أربع معلومات فقط بدلاً من سبع، بحسب طرح بعض المختصين، ونقص وقت تركيزنا للنصف، وقلّت قدرتنا على التعاطف، لأن الدماغ يلغي الروابط البطيئة إذا هجرناها عبر «التقليم العصبي». وهنا يظهر «أثر دونية الشاشة»؛ إذ تؤكد الأبحاث تفوق الورق في الفهم والتلخيص لثلاثة أسباب: أولاً لأنه بلمس الصفحات يمنحنا خريطة ذهنية وثباتاً إدراكيا، بعكس التمرير المستمر للمعلومات. ثانياً إن الشاشات تملأ عقولنا بعبء زائد من إعلانات وروابط تشتت التركيز، وثالثاً فهي تعطينا وهماً بالفهم، وثقة مفرطة تمنعنا من مراجعة ماقرأناه، في حين أن عيوننا تقفز بشكل متعرج مستمر تبحث عن كلمات مفتاحية فقط، لافتة البناء المنظم للسطور.
هذا التشتت أضر بالمجتمع؛ فالأطفال غرقوا في المقاطع القصيرة، ومكافآت الدوبامين السريعة، مسببة لهم حالة إدمانية أعادت صنع تركيبة إلى حالة أستطيع تسميتها بـ «دماغ الومضات» فتضعف لغتهم وتزيد نفورهم من المذاكرة، ويصعب قدرتهم على التعلم والعمل والصبر، أما الكبار فيعيشون وهم الإنتاجية بـ «تعدد المهام»، غارقين في «العزلة الرقمية»؛ متصلين بالشبكة ومنفصلين وجدانياً، إضافةً إلى أوجاع الرقبة، وجفاف العين، والعزل السمعي بالسماعات.
إننا بذلك نبيع انتباهنا كسلعة في مجتمع الاحتراق النفسي، فنحرق أنفسنا طوعاً للإنتاج المستمر، لنفقد الانتباه الأصيل، والتأمل، والتذوق، والتبصر.
ومن منظور روحي، فقد ضاعت بركة الوقت وتجزأ العمر، فبينما يربينا ديننا على عبادة «التفكر» التي تفتح القلوب من خلال الصمت والسكون، فإن الاستهلاك الرقمي السريع يقسي القلوب ويملأها بالظلمة والغفلة.
الحل يكمن في نموذج «الدماغ ثنائي القراءة»، بأن يتعلم الأطفال القراءة الورقية أولاً لبناء العمق، ثم ندخل الشاشات تكميلياً، وكذلك تخصيص نوافذ زمنية لأنفسنا للرسائل، وإغلاق الإشعارات، وتطبيق «السبت الرقمي» بالانقطاع عن الشاشات يوماً أسبوعياً، وإخلاء غرف النوم وطاولات الطعام من الهواتف، مع القراءة الورقية التصاعدية بدءاً من ربع ساعة يومياً، واستخدام القلم للتدوين على الهوامش لكسر وهم الفهم السطحي، وأخيراً قضاء وقت يومي في الصمت والتفكر الصافي.
وقبل أن تهمّ بإنهاء قراءة هذا المقال، وتعود إلى دوامة يومك الرقمي، تريّث لثانية واحدة وتأمّل (إبهامك) كم مرة تحرّك قفزاً وصعوداً وأنت تطالع الأسطر السابقة؟ وكم فكرةً سقطت منك في الفجوات اللمسية لأن عينك كانت في مسح متعرج بحثاً عن الخاتمة؟
المفاجأة الصادمة هي أنك-في الغالب-لم تقرأ هذا المقال بالمعنى العميق والراسخ للقراءة، بل مارست عليه الآن، وبلا وعي، ذات «الخديعة الرقمية» التي كنت تقرأ حذراً منها! لقد مررت سريعاً، واقتنصت كلمات مفتاحية، وخرجت فوراً بـ «وهم الفهم»، بينما عَقلك كان يمارس التشتت طوال الوقت شوقاً للمنشور القادم.
الخوارزمية لا تزال تنتصر، وإصبعك لا يزال يقود المعركة ضد وعيك... فهل تجرؤ الآن على إغلاق الشاشة وإشعال شمعة السكون، أم أن التمريرة القادمة قد نادتك بالفعل؟