صالح الشادي
تتبنى المملكة العربية السعودية سياسة ضبط النفس نهجاً ثابتاً وراسخاً في سياستها الخارجية، قوامه مزيج فريد من التمسك بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى الحلم والعفو والصفح، والالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والأخلاق العربية الأصيلة التي تقدِّر الحكمة والتروّي والتأني في الأمور.
هذه السياسة ليست ضعفاً أو وهناً، بل هي نهج دولة واعية بثقلها ومكانتها، تفضِّل الحوار والدبلوماسية سبيلاً لحل النزاعات، إيماناً منها بأن الاستقرار الإقليمي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على ضبط النفس، وفي ذات الوقت، التمسك بالحق المشروع في الدفاع عن النفس عند الضرورة القصوى.
وتتجلَّى هذه السياسة بوضوح في المواقف والأحداث المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، إذ دعت المملكة مراراً كافة الأطراف إلى التزام الهدوء وتجنيب الشعوب ويلات الحروب، مؤكدةً رفضها القاطع لاستخدام أراضيها وأجوائها في أي عمليات عسكرية ضد الآخرين. ومع ذلك، فإن سياسة ضبط النفس لا تعني أبداً التساهل مع التهديدات أو القبول بالمساس بالسيادة، فالمملكة تمتلك قوة عسكرية ضاربة ورادعة، تُعد من الأقوى في المنطقة، مزوَّدة بأحدث الأسلحة والمعدات، وهي قوة لا تُستخدم للعدوان، بل لحماية المكتسبات والذود عن الحياض، وحين تُستخدم، فإنها تكون بردّ حازم ومتناسب، كما كان الحال في قيادتها لتحالف عاصفة الحزم في اليمن عام 2015، والذي جاء استجابة لطلب الشرعية، ووقفاً لتهديد مباشر للأمن القومي العربي.
وفي السياق الأخير، تعرضت المملكة لسلسلة من الاستفزازات المتكررة التي استهدفت منشآتها الحيوية في المنطقة الشرقية والرياض بطائرات مسيَّرة، بلغ عددها أكثر من ثلاثين هجوماً خلال فترة وجيزة، صدرت بشكل واضح من أراضٍ عراقية ونفذتها ميليشيات موالية لإيران. وقد سبقت هذه الاعتداءات تحذيرات دبلوماسية متكررة ومحاولات لتهدئة الأوضاع، إلا أن استمرار هذه الهجمات واستنفاد جميع الخيارات السلمية، جعل ضبط النفس في هذه المرة لم يعد خياراً متاحاً، فكان الرد حاسماً وقوياً، حيث نفذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، ضربات جوية دقيقة استهدفت أوكار هذه الميليشيات في شرق العراق، مستندةً في ذلك إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة. وقد أوقعت هذه الضربات خسائر فادحة في صفوف المعتدين، وأكدت أن حماية مقدسات الوطن وثرواته خط أحمر لا يُتجاوز، وأن صبر الجميل لا يعني أبداً قبول الذل أو التهاون في الحقوق. وجاءت ردود الفعل الدولية متباينة، مما يكشف تعقيد المشهد الإقليمي، ويؤكد في الوقت ذاته أن المملكة تمضي في طريقها واضحة لا تلتوي، عادلة لا تجور، وهي تجيد متى تُرخي العنان للحوار، ومتى تشهر سيف الحق في وجه الباطل.
إنها لحكمة بالغة أن تعي الدولة متى تمد كفها بالسلام، ومتى تشهر سيفها للدفاع عن حياضها، فكثيراً ما يكون الصمت حكمة، والصبر جميلاً، كما يكون البأس في موضعه شجاعةً ووفاءً. وفي دروس هذه السياسة عبرة للعالمين بأن القوة ليست طيشاً واندفاعاً، بل هي ضبط للنفس حتى ينفد الصبر، ثم هي صولة الحق حين يعتل الباطل ويزيغ عن الجادة، وصدق الله القائل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}، فبين العفو عند المقدرة، والبطش عند الضرورة، تسير المملكة بثبات، حافظةً لأمنها واستقرارها، نابذةً للعدوان، داعيةً إلى السلم، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كل سوء ومكروه، وأن يظلها بعنايته ورعايته، وأن يقرَّ عيون أبنائها بالأمن والأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.