د. عبود مصطفى عبود
في عام 1924 صدرت من مكة المكرمة أولى أعداد جريدة أم القرى، ولم تكن الصحيفة يومها مجرد وسيلة لنقل الأخبار، فقد كانت الدولة السعودية الحديثة في طور التأسيس، وكانت في حاجة إلى ما هو أبعد من القرار الذي يصدر؛ كانت في حاجة إلى أن تحفظ قراراتها، وأن تعلنها، وأن تترك وراءها أثرًا مكتوبًا يمكن الرجوع إليه.
وبعد أكثر من قرن، تبدو المفارقة لافتة.
في ذلك الوقت كانت الدولة تحاول أن تثبت وجودها على الورق كما تثبته على الأرض، أما اليوم فالمملكة تعيش تحولًا واسعًا إلى درجة أن الورق نفسه لم يعد قادرًا على ملاحقته.
مشروعات تتوالى، قطاعات اقتصادية جديدة، تغيرات في سوق العمل، توسع في حضور المرأة، تحولات في الثقافة والترفيه والسياحة والرياضة، مدن تتغير، وأجيال كاملة تدخل إلى الحياة العملية وهي تحمل تصورًا مختلفًا عن الذي كان لدى آبائها.
وكل هذا يحدث في زمن قصير نسبيًا.
لكن وسط هذا الزحام كله، هناك سؤال لا أراه يحظى بما يستحقه من اهتمام:
من يروي الحكاية؟
لا أقصد من ينقل الخبر، فالأخبار كثيرة.
ولا أقصد من يصدر التقرير، فالتقارير موجودة.
ولا أقصد من يصنع الفيلم الدعائي أو ينشر الصور الجميلة للمشروعات، فهذه أيضًا أصبحت جزءًا من المشهد اليومي.
أقصد شيئًا آخر.
من سيأتي بعد ثلاثين أو خمسين عامًا ليحاول أن يفهم ماذا حدث للسعودية في هذه السنوات؟
من سيشرح له كيف تغير المجتمع، وليس فقط كيف تغيرت المؤشرات؟
كيف تغيرت حياة الناس، وليس فقط كيف تغيرت أرقام الاقتصاد؟
كيف دخلت المرأة إلى مجالات جديدة، وكيف انعكس ذلك على الأسرة والعمل والتعليم؟
كيف أعاد الشباب تعريف معنى الوظيفة والنجاح؟
كيف تغيرت علاقة السعوديين بمدنهم؟
وكيف تحولت الثقافة من نشاط محدود إلى قطاع له مؤسساته ومشروعاته وأسواقه وجمهوره؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات وحدها.
نحن نوثق الإنجاز.. لكن هل نوثق التجربة؟
من الإنصاف القول إن المملكة لا تعاني غيابًا في التوثيق الرسمي.
فالمركز الوطني للوثائق والمحفوظات قائم منذ عقود، وله اختصاصات تتصل بحفظ الوثائق وإتاحتها للباحثين، كما يعمل على الأرشفة الإلكترونية، وتوجد منظومة نظامية لإيداع الوثائق الحكومية وحفظها. وقد أشار المركز نفسه إلى أن التقرير السنوي لرؤية المملكة 2030 يوثق مرحلة تاريخية من التحول الوطني.
إذن المشكلة ليست أن السعودية لا تحفظ وثائقها.
المشكلة في مكان آخر.
هناك فرق بين توثيق ما حدث وبين فهم ما حدث.
قد يخبرنا التقرير أن نسبة معينة ارتفعت، وأن عددًا معينًا من الوظائف أُوجد، وأن قطاعًا اقتصاديًا نما، وأن عدد الزوار ازداد.
لكن التقرير لا يستطيع وحده أن يخبرنا ماذا حدث داخل البيوت.
لا يخبرنا ماذا دار على مائدة العشاء في أسرة سعودية عندما بدأت ابنتها أول وظيفة لها.
ولا يخبرنا ماذا شعر شاب ترك الوظيفة التقليدية وقرر أن يخوض تجربة مختلفة.
ولا ماذا حدث في ذهن أب كان يرى مستقبل أبنائه بطريقة، ثم وجد أبناءه بعد سنوات قليلة يعيشون وفق تصور آخر.
ولا كيف تعاملت أم مع تغير إيقاع الحياة والعمل داخل الأسرة.
ولا ماذا حدث لصاحب متجر صغير عندما تغيرت عادات الاستهلاك.
ولا كيف نظر معلم إلى جيل من الطلاب يدخل المدرسة بأحلام لم تكن موجودة في جيلي آبائهم.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها من أعلى.
لكنها هي التاريخ إذا نظرنا إليه من الداخل.
هناك شيء أخطر من غياب الوثيقة
أخشى من شيء آخر.
أن يتحول التحول السعودي نفسه إلى مجموعة أخبار.
خبر عن مشروع.
خبر عن افتتاح.
خبر عن مؤشر.
خبر عن استثمار.
خبر عن فعالية.
ثم يأتي خبر جديد يطغى على القديم.
وبعد سنوات قد نجد أنفسنا أمام ملايين المواد التي تخبرنا بما حدث، لكن القليل منها يستطيع أن يفسر لنا لماذا حدث، وكيف عاشه الناس، وما الذي غيره في المجتمع.
وهنا تظهر قيمة الكتاب والدراسة والشهادة الشخصية والفيلم الوثائقي والتسجيل الصوتي والصورة الفوتوغرافية.
فالذاكرة الوطنية لا تتكون من الوثائق الحكومية وحدها.
تتكون أيضًا من ذاكرة الناس.
والفرق كبير بين أن نعرف أن قرارًا صدر في عام معين، وأن نعرف كيف استقبله المجتمع.
وبين أن نعرف أن قطاعًا جديدًا نشأ، وأن نعرف كيف دخل أول جيل من العاملين فيه إلى هذا القطاع، وماذا واجه، وكيف تغيرت حياته.
وبين أن نعرف أن مدينة توسعت، وأن نعرف كيف تغيرت علاقة أهلها بها.
هذه هي الطبقة التي لا تظهر بسهولة في الأرقام.
السعودية لا تبدأ من الصفر
وهنا ينبغي ألا نقع في خطأ آخر، وهو الحديث عن المشهد وكأن التجربة لم تبدأ بعد.
لقد تأسست هيئة الأدب والنشر والترجمة، ووُضعت لها استراتيجية تشمل تطوير هذه القطاعات، ودعم الأدباء والمؤلفين والناشرين والمترجمين، وتحفيز القطاع الخاص، وتطوير صناعة النشر، وإيصال الأعمال السعودية إلى لغات العالم. كما أن تنظيم الهيئة نفسه، الصادر في 2024، يضع تطوير قطاعات الأدب والنشر والترجمة ضمن اختصاصاتها بصورة واضحة.
وهناك أيضًا برامج ومبادرات تتجه إلى استثمار التقنيات الجديدة في صناعة المحتوى؛ ففي 2026 اختتمت الهيئة النسخة الثانية من مسابقة سجل بالتعاون مع أنغامي، في توجه يستثمر المحتوى الصوتي بوصفه إحدى وسائل الوصول إلى الأجيال الجديدة.
وهذا كله مهم. لكنه يجعل السؤال الذي أطرحه أكثر إلحاحًا، لا أقل.
فإذا كانت المؤسسات قد بدأت بالفعل في بناء أدوات الأدب والنشر والترجمة، وإذا كانت المملكة تملك منظومة وثائق وأرشيفًا رسميًا، وإذا كان لديها هذا الكم الهائل من التحولات، فلماذا لا نذهب خطوة أبعد؟
لماذا لا نجمع هذه الأدوات كلها في مشروع واحد تكون مهمته الأساسية ليست أن يقول للعالم إن السعودية تغيرت، وإنما أن يفهم العالم كيف تغيرت السعودية؟
هناك فرق بين الاثنين.
لا نحتاج إلى رواية دعائية
وهنا أظن أن المشروع يحتاج إلى شرط أساسي حتى ينجح.
ألا يكون مشروعًا للدعاية.
فالدعاية قد تنجح في صناعة صورة، لكنها لا تصنع ذاكرة.
بل إن الرواية التي لا ترى إلا الإنجاز تفقد قيمتها مع الوقت؛ لأن القارئ يعرف أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك.
التحولات الكبرى لا تأتي نظيفة ومصقولة.
فيها قرارات أصابت، وأخرى احتاجت إلى مراجعة.
فيها مشروعات نجحت، وأخرى لم تحقق كل ما كان متوقعًا منها.
فيها أناس وجدوا فرصًا جديدة، وآخرون احتاجوا إلى وقت حتى يتكيفوا معها.
وفيها أسئلة لم تجد إجاباتها النهائية بعد.
وهذا ليس عيبًا في التجربة.
هذه طبيعة التجارب التاريخية.
بل إنني أعتقد أن الدولة التي تريد أن تحفظ تجربة كبرى للأجيال القادمة ينبغي ألا تخاف من الكتاب الذي يختلف معها في تفسير جزء منها، أو الباحث الذي يطرح سؤالًا غير مريح، أو المواطن الذي يروي تجربة لم تكن ناجحة.
لأن التاريخ الذي لا يسمح إلا بصوت واحد يتحول في النهاية إلى دعاية، بينما التاريخ الذي تتجاور فيه الأصوات يتحول إلى معرفة.
ومن هنا تبدأ الفكرة
لو كنت أبحث عن مشروع ثقافي يليق بحجم التحول السعودي، فلن أقترح كتابًا واحدًا، ولا سلسلة كتب احتفالية.
سأقترح مشروعًا وطنيًا لذاكرة التحول السعودي.
مشروعًا طويل النفس، تشترك فيه المؤسسات الوثائقية والجامعات وهيئات الثقافة والناشرون والإعلاميون والباحثون والمواطنون.
تبدأ مرحلته الأولى بجمع المادة التي ستضيع إذا تأخرنا.
مقابلات مع الناس.
شهادات العاملين في القطاعات الجديدة.
مذكرات شخصية.
صور عائلية.
يوميات.
رسائل.
تسجيلات صوتية.
أفلام قصيرة.
قصص أصحاب المشروعات.
شهادات النساء اللاتي دخلن سوق العمل.
شهادات المعلمين والأطباء والمهندسين والناشرين والفنانين والرياضيين.
بل حتى شهادات الذين خاضوا تجارب لم تنجح.
لأننا إذا انتظرنا عشرين عامًا، فلن نستطيع أن نستعيد كثيرًا من هذه التفاصيل.
الذاكرة البشرية لا تعمل مثل الأرشيف.
ما لا نسجله الآن قد لا نستطيع استعادته غدًا.
ثم تأتي الجامعات.
لا لتخزن هذه المادة في خزائن جديدة، وإنما لتدرسها.
يخرج منها الباحث الذي يدرس التحولات الاجتماعية.
وآخر يدرس سوق العمل.
وثالث يدرس الأسرة.
ورابع يدرس التحول الثقافي.
وخامس يدرس المدن الجديدة.
وسادس يدرس أثر الرياضة والترفيه والسياحة في المجتمع.
ثم يأتي دور الناشر ليحول هذا البحث إلى كتب يستطيع القارئ العادي أن يقرأها، لا أن تبقى حبيسة الرسائل الجامعية.
ثم تأتي الترجمة.
وهنا يمكن البناء على ما تقوم به هيئة الأدب والنشر والترجمة بالفعل في مجال دعم الترجمة وإيصال الأعمال السعودية إلى لغات العالم. فبدل أن تظل الترجمة منفصلة عن مشروع توثيق التحول، يمكن أن تصبح إحدى ذراعيه الأساسيتين.
عندها لا نترجم الأدب السعودي وحده، وإنما نترجم السعودية نفسها.
نترجم الدراسات التي تفسر تحولها.
ونترجم الشهادات التي تكشف مجتمعها.
ونترجم الكتب التي تشرح اقتصادها.
ونترجم الأعمال التي تسجل ثقافتها.
وبذلك يصبح العالم قادرًا على قراءة التجربة من مصادرها، لا من التقارير الأجنبية عنها وحدها.
ولكن الحكاية لم تعد كتابًا فقط
وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفلها.
جيل اليوم لا يتعامل مع الذاكرة بالطريقة التي تعامل بها جيل الأمس.
قد يكون الكتاب هو الوعاء الأهم بالنسبة إلى الباحث، لكنه ليس الوعاء الوحيد بالنسبة إلى الناس.
فلماذا لا يكون لهذا المشروع أرشيف صوتي؟
ولماذا لا يكون له أرشيف بصري؟
ولماذا لا تُنتج منه أفلام وثائقية؟
ولماذا لا تُبنى منصة رقمية يستطيع من خلالها المواطن أن يضيف قصته أو صورته أو شهادته؟
ولماذا لا تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في فهرسة ملايين الوثائق والتسجيلات وتصنيفها وربطها زمنيًا وجغرافيًا وموضوعيًا، مع بقاء القرار العلمي والتحرير البشري في يد المؤرخ والباحث؟
نحن نعيش في لحظة تاريخية لا تشبه اللحظات السابقة.
ومن الخطأ أن نوثق القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين فقط.
الكتاب سيبقى.
لكن الكتاب يجب أن يكون جزءًا من منظومة أكبر.
هل تكون هذه رواية الدولة أم رواية المجتمع؟
قد يقول قائل: أليس في ذلك خطر أن تتحول الحكاية إلى روايات متعارضة؟
وأقول: ربما.
لكنني لا أرى في ذلك مشكلة.
المشكلة ليست أن تختلف الروايات.
المشكلة ألا توجد روايات أصلًا.
الدولة لها روايتها ووثائقها وقراراتها.
والمجتمع له ذاكرته.
والباحث له تفسيره.
والكاتب له رؤيته.
والمؤرخ بعد سنوات ستكون مهمته أن يضع كل ذلك أمامه، ثم يحاول أن يفهم الصورة.
هذه هي الطريقة التي يصبح بها التاريخ علمًا، لا بيانًا احتفاليًا.
وليس المطلوب أن يتطابق الجميع.
المطلوب أن تكون المادة محفوظة، والوثيقة موجودة، والشهادة مسجلة، والبحث متاحًا، والكتاب قادرًا على أن يقول ما يراه.
عندها يستطيع الزمن أن يقوم بعمله.
لماذا الآن؟
لأننا ببساطة في قلب الحدث.
وهذه ميزة وخطر في الوقت نفسه.
ميزة لأننا نملك فرصة تسجيل الأشياء وهي تحدث.
وخطر لأننا قد لا ندرك قيمتها إلا بعد أن تضيع.
الذين عاشوا بدايات تأسيس المملكة لم يكونوا يعرفون أنهم يصنعون مادة سيأتي مؤرخون بعد عشرات السنين ليدرسوها.
والذين أصدروا أم القرى في عام 1924 لم يكونوا يعرفون أن صفحاتها ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة الوثائقية للدولة.
ونحن اليوم لا نعرف أي صورة التقطها مواطن في الرياض، وأي رسالة كتبتها فتاة بدأت عملها الأول، وأي تسجيل صوتي لرجل شهد تغير مدينته، وأي مذكرات كتبها موظف أو طبيب أو رائد أعمال، ستصبح بعد نصف قرن وثيقة لا تقدر بثمن.
لكننا نستطيع أن نعرف شيئًا واحدًا:
أنها تستحق أن تُحفظ.
بعد خمسين عامًا
أتخيل باحثًا في عام 2076 يجلس ليكتب تاريخ هذه المرحلة.
لن يكون همه فقط أن يعرف كم مشروعًا أطلق.
سيبحث عن الإنسان الذي عاش كل ذلك.
سيبحث عن الشاب الذي دخل سوق العمل في هذه السنوات.
عن المرأة التي بدأت حياتها المهنية في زمن التحول.
عن الأب الذي رأى أبناءه يعيشون بطريقة لم يعشها هو.
عن المعلم الذي لاحظ تغير طلابه.
عن صاحب المشروع الذي نجح.
وعن آخر لم ينجح.
عن الفنان الذي وجد مساحة جديدة.
وعن الناشر الذي رأى سوق الكتاب يتغير أمام عينيه.
سيبحث عن الصورة التي التقطت في لحظة عابرة، والمذكرات التي كتبها صاحبها لنفسه، والمقابلة التي سجلت في غرفة صغيرة، والكتاب الذي حاول أن يفهم كل ذلك.
وسيبحث كذلك عن الوثائق الرسمية والتقارير والأرقام.
فالتاريخ لا يحتاج إلى صوت واحد.
يحتاج إلى كل الأصوات.
ولهذا فإنني لا أعتقد أن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل وثقت السعودية تحولها؟
لقد بدأت بالفعل في ذلك، ولديها مؤسسات ووثائق وتقارير وبرامج ثقافية تقوم بأجزاء مهمة من هذه المهمة.
السؤال الأهم هو:
هل جمعنا هذه الأجزاء في ذاكرة واحدة تستطيع أن تروي التجربة كما عاشها الناس، وكما صنعتها المؤسسات، وكما فهمها الباحثون، وكما يمكن أن يراها العالم؟
إذا فعلنا ذلك، فلن نكون قد حفظنا مرحلة من التاريخ فحسب.
سنكون قد أعطينا الأجيال القادمة حقها في أن تعرف كيف تغير بلدها.
وعندما يأتي مؤرخ بعد خمسين عامًا، لن يكون مضطرًا إلى إعادة تركيب الحكاية من بقايا الأخبار.
سيجد الوثيقة.
وسيجد الشهادة.
وسيجد الصورة.
وسيجد الكتاب.
وسيجد الصوت.
وسيجد الإنسان.
وعندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نعش التحول السعودي فحسب...
بل تركنا له حكايته.