خالد بن عبدالرحمن الذييب
عجيب أمر هذا الشرق الأوسط، وهو يقف شامخاً في قلب العالم، يجمع بين متناقضات السحر واللغز، والسلام الدفين والصراع المستمر، منطقة ظلت عبر الأحقاب جاذبة للأحداث، منطقة عظمى محط أنظار الأمم العظمى التي لم تفتأ تتطاحن لتنال موطئ قدم على ثراها. إن ما تعيشه المنطقة حالياً ليس إلا تكراراً لطبيعتها المركبة، تاريخياً، وجغرافيا، واقتصادياً، ودينياً.
تاريخياً، صيغت ملامح الحضارة الأولى على ضفاف أنشطته النهرية والبحرية؛ فمن البابلية والأشورية في بلاد ما بين النهرين، إلى الفينقية على شواطئ المتوسط، والفرعونية على ضفاف النيل، وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية في شبه الجزيرة العربية.
هذا التراكم الحضاري كان هو الجذر الذي استمدت منه البشرية مبادئ الكتابة والقانون والزراعة والتنظيم العمراني. وحتى مع تنوع النظريات حول نشأة الإنسان، يظل القول بأن النواة الصلبة للحضارة الإنسانية استوت على أرض الشرق الأوسط هو الطرح الأكثر إقناعاً وملامسة لواقع الشواهد التاريخي.
جغرافياً، يمثل حلقة وصل تجتمع في جنباته أهم الممرات المائية والمضايق الاستراتيجية التي تمسك بنبض التجارة الدولية ودماء الاقتصاد العالمي، من مضيق هرمز، وباب المندب، إلى البحر الأحمر والبحر العربي والخليج العربي وقناة السويس. هذا الموقع المفصلي، المقترن بتنوع جغرافي وعرقي ممتد بين أجناس مختلفة منح المنطقة ثقلاً استراتيجياً يفسر سر التنافس الدولي عليها.
اقتصادياً، يمثل مركزاً للطاقة العالمية وحجر الزاوية للاقتصاد الدولي، حيث يضم دولاً ذات ثقل سياسي واقتصادي إقليمي ودولي بارز، من بينها دولتان تنتميان لمجموعة العشرين، وهما السعودية، وتركيا.
أما دينياً، وهو البعد الأكثر عمقاً وتأثيراً، فالشرق الأوسط هو مهد الأديان السماوية الثلاث، والمسرح الذي شهد ظهور الرسالات الكبرى والمشهد الأساسي لصراع السرديات بين الإسلام واليهودية والنصرانية.
أخيراً …
تسيطر إمبراطوريات لفترات وقتية في التاريخ الإنساني، لكن الشرق الأوسط يظل الثابت الذي يمرض ولا يموت، ويحترق ولا يستحيل رماداً..
ما بعد أخيراً…
عجيبٌ حقاً ..هذا الشرق الأوسط!