مرفت بخاري
اختطت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها نهجا سلميا في تعاملها مع غيرها، فكانت تمد يدها إلى الاستقرار، وتؤمن أن الحوار أجدى من الصراع، وأن البناء أسمى من الهدم، غير أن السلام لا يعني أن تتخلى الأوطان عن سيادتها، ولا أن تصمت أمام من يعبث بأمنها أو يهدد استقرارها، فالسلام الذي تؤمن به المملكة هو سلام العزة، القائم على العدل، والمسنود بقوةٍ تحمي الأرض والإنسان، لأنه الطريق الذي يحفظ الأرواح، ويصون الأوطان، ويمنح الشعوب حقها في أن تعيش آمنةً مطمئنة.
لقد أثبتت المملكة في مواقفها السياسية أن الحكمة لا تنفصل عن الحزم، وأن الدعوة إلى السلام لا تتعارض مع القدرة على حماية الأرض والإنسان والمقدسات، فمن يقرأ السياسة السعودية يدرك أنها لم تكن يومًا باحثة عن نزاع، لكنها كذلك لم تكن يومًا متهاونة أمام أي اعتداء يستهدف أمنها أو أمن جوارها، فالسلام في مفهوم الدول الراسخة ليس رايةً تُرفع مع التغافل عن الأخطار، ولا كلمةً تُقال بينما تمتد الأيدي العابثة إلى حدود الأوطان وأمن الإنسان، بل هو مسؤولية تحتاج إلى قوةٍ تحميها، وحكمةٍ تعرف متى تصبر، ومتى يكون الحزم هو الوجه الآخر للحكمة.
إن مكائد الظلام، مهما علا ضجيجها، لا تملك أن تصمد أمام نور الحق، ولا أن تهزم أمة جعلت من قيمها الإسلامية والعربية منهجًا لها، وكل مشروع يقوم على الفوضى أو الكراهية أو الاعتداء مصيره إلى زوال، لأن الباطل قد يعلو زمنًا، لكنه لا يدوم، ولقد اختارت المملكة منذ عقود أن تكون صانعةً للاستقرار، وجسرًا للحوار، وبيتًا للمبادرات التي تجمع ولا تفرق، وتقرب ولا تباعد، وما شهدته المنطقة من مبادرات سياسية وإنسانية، ومساعٍ لاحتواء الأزمات، يؤكد أن هذه البلاد لم تجعل الحرب يومًا غاية، بل جعلت السلام رسالتها، والإصلاح سبيلها، وحفظ الأمن مسؤوليتها. ولعلني أختصر هذه الرؤية في هذه الأبيات التي أؤمن بأنها تختزل فلسفة السلام الذي تحرسه القوة.
إننا ندعو السلام، وبالسلام لنا حلول
يا مكائد الظلام، عهدكم طاغٍ يزول
فانهجوا للخير درب، نهج سيدنا الرسول
لا تخافوا، الله معنا، نصره ينهي الفصول
إننا لا نستحضر أبياتًا شعرية فحسب، بل نستحضر فلسفة وطنٍ آمن بأن رسالة الإسلام قامت على الرحمة والعدل، وأن القوة الحقيقية هي التي تحمي السلام ولا تفرط فيه، فحين تمتد يد العدوان، أيًا كان مصدرها، فإن حماية الوطن تصبح واجبًا لا يقبل المساومة، لأن الأوطان لا تُصان بالأمنيات، بل بالإرادة، والاستعداد، ووحدة الصف، والقدرة على ردع كل من يظن أن الحلم السعودي يمكن أن يُختبر بالتهديد أو الابتزاز.
واليوم، إذا اضطرت المملكة إلى اتخاذ موقفٍ حازم تجاه أي عدوان يستهدف أمنها أو أمن المنطقة، فإن ذلك لا يخرجها عن نهجها، بل يؤكد أن السلام يحتاج إلى قوةٍ تصونه، وأن الأمن لا يستقيم إذا تُرك المعتدي دون ردع، فالحزم الذي تمارسه المملكة ليس عدوانًا، وإنما حمايةٌ للحق، وصونٌ للأرض، وحفظٌ لأمن الإنسان، وانطلاقٌ من مسؤوليتها تجاه شعبها واستقرار محيطها. وفي هذا المشهد المتغير، يزداد يقين المواطن السعودي بأن قيادته لا تتحرك بردود الأفعال، بل ببصيرةٍ سياسية تقرأ المستقبل قبل أن تداهمه الأزمات، وتوازن بين الحكمة والحزم، فلا تستدرجها الاستفزازات، ولا تثنيها التهديدات عن أداء واجبها في حماية الوطن وصون أمنه.
إن التاريخ لا يخلد من أشعلوا الحروب، بل يحفظ أسماء الذين امتلكوا شجاعة صناعة السلام، فإذا فُرض عليهم الدفاع عن أوطانهم، حملوا مسؤوليتهم بعزة، وحموا أرضهم بحكمة، وجعلوا من القوة درعًا للحق لا وسيلةً للعدوان، فالأوطان التي تجعل السلام عقيدتها لا تخشى المواجهة إذا فُرضت عليها، لأنها لا تحمل السلاح إلا ليبقى السلام ممكنًا، وهكذا كانت المملكة العربية السعودية، وستبقى، صوتًا للعقل حين يضج العالم بالصخب، ويدًا ممدودةً لكل سلامٍ عادل، وسيفًا لا يُستل إلا دفاعًا عن الأرض والإنسان والكرامة، فالسلام الذي لا تحرسه القوة يبقى أمنية، أما السلام الذي تحرسه الإرادة، والإيمان، ووحدة الصف، فهو مستقبل الأوطان، وعنوان عزتها.