سارة الشهري
كلما هممت باتخاذ قرار جديد، وجدت من يبتسم بثقة ويقول: اخرج من منطقة الراحة! وكأن النجاح يقف مباشرة خارج بابها، وكأن كل من بقي فيها قد اختار الفشل طوعاً.
والأسوأ من ذلك، أن بعض النصائح تأتي من أشخاص لم يجرّبوا ما يدعون إليه، لكنهم يوزعون الحماس بالجملة: غامر، جرّب، ما بتخسر شيء! بينما الحقيقة أن هناك من قد يخسر وقته، أو ماله، أو استقراره، أو حتى سلامه النفسي.
تحولت (منطقة الراحة) إلى متهم جاهز في كل محاضرة تحفيزية، مع أنها في الأصل ليست مكاناً سيئاً. فهي المساحة التي نشعر فيها بالأمان، ونبني فيها عاداتنا، ونلتقط فيها أنفاسنا بعد كل تحدٍ. المشكلة ليست في وجود منطقة الراحة، بل في تحويلها إلى إقامة دائمة نخشى مغادرتها مهما تغيرت الظروف.
في المقابل، ليس كل خروج منها قراراً حكيماً. فليس من العقل أن يترك شخص وظيفة مستقرة لأنه سمع عبارة ملهمة في مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية، أو أن يدخل مشروعاً لا يفهمه لأن الجميع يردد: (الفرص لا تنتظر). الشجاعة لا تعني القفز معصوب العينين، بل تعني أن تعرف أين تضع قدمك التالية.
ومن الطريف أن أكثر من يشجعك على المغامرة قد لا يكون مستعداً لتحمّل نتائجها معك. فإذا نجحت، هنأك على جرأتك، وإن تعثّرت، اكتفى بعبارة: هذه تجربة وتتعلَّم منها.
أما الفاتورة الحقيقية، فتدفعها أنت وحدك.
ربما نحتاج إلى تغيير السؤال. فبدلاً من أن نسأل: هل خرجت من منطقة الراحة؟ لنسأل: هل خرجت إلى مكان أفضل؟ فليس كل انتقال تقدماً، وليس كل مخاطرة نجاحاً. أحياناً يكون القرار الأكثر حكمة هو البقاء قليلاً، والتخطيط أكثر، واكتساب مهارة جديدة، ثم الانطلاق عندما تكون مستعداً.
الحياة ليست سباقاً لإثبات الجرأة، ولا بطولة في جمع أكبر عدد من المخاطرات. لكل إنسان ظروفه، والتزاماته، وأحلامه التي لا تشبه أحلام غيره. وما يبدو مغامرة بسيطة لشخص، قد يكون مخاطرة كبيرة لآخر.
لذلك، لا تجعل الشعارات تقود قراراتك. استمع للنصيحة، لكن لا تستعر عقل صاحبها. غادر منطقة الراحة عندما يكون لديك سبب، وخطة، واستعداد لتحمّل النتائج، لا لأن أحدهم قال لك بثقة: جرِّب، ما بتخسر شيء! فالحقيقة أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، وقد يربح أيضاً، لكن الفرق بين الاثنين هو أن القرار كان واعياً ومخططاً له، لا مجرد استجابة لعبارة تحفيزية جميلة.