د.عبدالرحيم محمود جاموس
لم تعد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد حلقة جديدة من صراع قديم، بل تبدو علامة على تآكل قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الطرفين لعقود، ودخول الشرق الأوسط مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازناته الإقليمية.
فعلى الرغم من العداء المعلن، حافظ الطرفان طويلاً على قدر من الردع والتفاهمات غير المباشرة. أما اليوم، فإن ضعف هذه الضوابط يفتح الباب أمام صراع أكثر تعقيداً، تتراجع فيه السياسة أمام القوة، ويصبح الميدان هو الذي يحدد حدود التفاوض.
ولا يقتصر الهدف الأمريكي على الرد أو استعادة الردع، بل يتصل بمحاولة إعادة هندسة البيئة الأمنية في المنطقة، وتقليص النفوذ الإيراني، وترسيخ تفوق الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل. لكن هذا الرهان يصطدم بحدود القوة العسكرية، إذ يصعب فرض استسلام سياسي كامل على دولة تمتلك مؤسسات راسخة وعمقاً جغرافياً وسكانياً.
في المقابل، تدرك إيران أنها قد لا تنتصر عسكرياً، لكنها تستطيع منع خصمها من تحقيق أهدافه عبر الاستنزاف وتوسيع تكلفة الصراع، من دون الانزلاق إلى مواجهة وجودية لا تملك مقوماتها.
لكن المشهد لا يقتصر على البعد الأمريكي - الإيراني، إذ يتزامن مع انتقال النظام الدولي نحو تعددية أكبر، تتقدم فيها الصين وروسيا للمطالبة بدور أوسع. وبهذا المعنى، أصبح الشرق الأوسط ساحة اختبار للتوازنات الدولية الجديدة.
أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار هذا التحول لترسيخ موقعها الإقليمي، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، بما يتيح لها توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية والقدس، فيما تستمر المأساة في غزة.
في المقابل، تجد الدول العربية نفسها أمام اختبار صعب، فهي ليست طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها من أكثر المتأثرين بها. ومن ثم، فإن حماية الأمن الوطني ومنع تحول الأراضي العربية إلى ساحات صراع، واستعادة المسار السياسي، تبقى ضرورة استراتيجية.
لقد دخلت المنطقة مرحلة مخاض تاريخي قد يطول، لكن المؤكد أن ما بعد هذه المواجهة لن يكون كما قبل، وأن شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، مطالبة بأن تكون شريكاً في صناعة مستقبلها، لا مجرد موضوع لإعادة رسم الخرائط.