د. سامي بن عبدالله الدبيخي
لا يختلف اثنان أن المدينة لا تُبنى بالقرارات المنعزلة، بل بالتشابك العضوي بين المال والفراغ العمراني، لكن عندما نطالع المشهد اليوم، نجد نقاشاً حامياً بين من يشكك في أثر السياسات التنظيمية على حركية السوق العقاري (مثل رسوم الأراضي البيضاء)، وهناك من لا يرى جدوى حقيقية من وراء الأنظمة التخطيطية والأدلة العمرانية، وفريق ثالث لا يقيم وزناً لتحديات التوسع الأفقي مقللاً من أهمية التوجه نحو رفع الكثافات الحضرية (Upzoning) لتعزيز قطاع الإسكان.
بيد أن النظرة الفاحصة والخلفية الخبيرة تكشف أن سوق العقار وأنظمة التخطيط وأدلتها العمرانية ومعالجة التمدد العمراني ليست جُزراً معزولة، بل هي قضايا متشابكة وامتداد طبيعي لبعضها بعضا، فالسياسات العقارية التنظيمية هي بمثابة «المحرك المالي والديناميكي»، بينما تمثل الأنظمة التخطيطية والتشريعات (الأكواد) العمرانية «الموجه المكاني والجغرافي» الذي يستوعب هذه الصدمات ويحولها إلى قيمة مضافة للمدينة وللإنسان.
عادةً ما تُحدث التشريعات العقارية المفاجئة مثل فرض رسوم الأراضي البيضاء بمهل قصيرة صدمة فورية في السوق، مما يدفع المستثمرين وصغار الملاك إلى اتخاذ قرارات متسرعة والتطوير السريع هرباً من عبء الرسوم، وليس لتلبية احتياج حضري حقيقي أو تقديم منتج عالي الجودة، وهنا يبرز الرابط المباشر مع الأنظمة التخطيطية والأدلة العمرانية.
بدون وجود أدلة تخطيطية صارمة وذكية تراعي خصوصية المدينة، ستتحول تلك «السيولة الهاربة» من الرسوم الضريبية إلى مشاريع مبنية بغرض التهرب فقط، مسببةً تشوهاً في النسيج الحضري.
الأنظمة التخطيطية هنا ليست «قيوداً بيروقراطية» كما يروج المشككون، بل هي صمام الأمان الذي يضمن أن ضخ السيولة الناتج عن الصدمات العقارية يصب في مصلحة بناء أصول حيوية مستدامة بدلاً من تكريس التطوير العشوائي الحضري.
وقد يتساءل بعضهم عن جدوى التنظيمات التخطيطية بدعوى أنها مجرد أداة لتعطيل المشاريع وتأخير التراخيص، وهو ما يعزز المخاطر التنظيمية ويزيد من ضبابية أسعار مدخلات التطوير لكنهم يغفلون عن أن هذه القرارات التخطيطية وأدلتها العمرانية هي أنظمة قائمة على الأداء (Performance-based regulations) وعلى دراسات استباقية معتمدة على البيانات الدقيقة والمعاملات العقارية والمؤشرات الرقمية لتحديد مناطق الأولوية لتساهم في وضع سياسات عقارية أكثر مرونة واستهدافاً (Targeted الجزيرة Flexible).
إنها بهذا تلتقي مباشرة مع الأدلة العمرانية الحديثة التي تنادي بأتمتة تقييم المشاريع واستخدام التقنيات والمعارف الحديثة لإدارة تعقيدات التخطيط. عندما تصبح التنظيمات التخطيطية مرنة ورقمية، ستنخفض «علاوة المخاطر التنظيمية» التي يخشاها المستثمرون العقاريون، ويتحول التخطيط من جهة معطِّلة إلى بيئة ممكِّنة وجاذبة للاستثمارات المؤسسية طويلة الأجل.
إن جوهر السياسات العقارية الحديثة يهدف إلى تحويل العقار من «أداة مضاربة» إلى «بنية تحتية اجتماعية» طويلة الأجل تخدم المطور الحقيقي والمستهلك النهائي، هذا التحول لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع دون إعادة النظر في التشريعات (الأكواد) العمرانية المتعلقة بقطاع الإسكان.
السياسات التقليدية القائمة على الكثافات المنخفضة وإعطاء الأولوية للفلل المستقلة أدت إلى تمدد عمراني أفقي هائل ومكلف في صيانة الخدمات والمرافق، وزيادة أسعار المساكن والإيجارات (كما هو الحال في تجارب بريطانيا وأمريكا وكاليفورنيا). في المقابل، تبرز الحاجة لإصلاحات تشريعية تتبنى توجه رفع الكثافات (Upzoning) وتسمح بالمباني متعددة الأدوار بالقرب من مراكز التوظيف والنقل العام. (كما تم توضيحه في مقال سابق لنا في جريدة الجزيرة.)
وهنا يمكن القول: إن السياسة العقارية تدفع ملاك الأراضي البيضاء والمطورين الكبار ذوي الملاءة المالية نحو الإنتاجية والاستحواذ على الأصول الممتازة بأسعار معقولة مما يخفِّض من أسعار منتجاتها العقارية. أما التشريع العمراني (Upzoning) فيمنحهم الضوء الأخضر لرفع الكثافات واستغلال الأراضي بشكل عمودي اقتصادي ومستدام، ثم يأتي النظام التخطيطي المحكم ليضبط هذا التطور لضمان ترشيد الموارد (المياه والطاقة)، وحماية الهوية الثقافية للمدينة، ومنع ظهور العشوائيات أو الاختناقات المرورية، متجاوزاً بذلك مقاومة تيارات «الرفض المحلي (Nimbyism).
خلاصة القول: إن الفصل بين السياسات العقارية، والأنظمة التخطيطية، وتشريعات الإسكان هو خطأ فادح يقع فيه المخططون والمشرعون على حد سواء. السياسة العقارية المرنة المدعومة بالبيانات توفر «الطاقة والحافز الاستثماري»، والأدلة العمرانية والتخطيطية توفر «القالب والمسار الآمن» لضمان توجيه هذه الطاقة نحو بناء مدن حية، عالية الجودة، ومستدامة.
إن تنظيمات المدن وأدلتها ليست قيوداً تكبح جماح السوق العقاري، بل هي أدوات تمكين تضمن ألا يتحول النشاط العقاري إلى مضاربات جوفاء، بل إلى تنمية حقيقية تحقق التوازن المنشود بين الأصالة والحداثة، وبين الإنتاجية الاقتصادية وجودة الحياة.