إبراهيم بن يوسف المالك
ما الذي يجمع بين سفينة جنحت في قناة السويس، ومضيق هرمز الذي يبقى تحت أنظار العالم مع كل أزمة إقليمية، وباب المندب الذي أصبح أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، ومضيق ملقا الذي تعبره النسبة الأكبر من تجارة شرق آسيا؟ قد تبدو أحداثًا متفرقة لا يجمع بينها سوى البحر، لكنها في الحقيقة تكشف عن تحول أعمق بكثير. فالعالم لم يعد يخشى فقدان الثروة بقدر ما يخشى انقطاع الطريق الذي تسلكه تلك الثروة. ولم تعد الثروة تُقاس بما يُستخرج من الأرض، بل بقدرتها على الوصول إلى العالم. لقد أصبحت رحلة الثروة جزءًا من الثروة نفسها، وربما أصبحت أكثر قيمة من نقطة إنتاجها.
اعتدنا أن ننظر إلى التاريخ من خلال الموارد. كانت الأرض في القرن التاسع عشر عنوان القوة، ثم أصبحت الطاقة في القرن العشرين عنوانها الأبرز. فمن يسيطر على الأراضي يوسع نفوذه، ومن يمتلك النفط والغاز والمعادن يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد والسياسة. غير أن القرن الحادي والعشرين أعاد ترتيب هذه المعادلة دون ضجيج. فلم يعد امتلاك المورد كافيًا إذا تعذر وصوله إلى الأسواق، ولم يعد الإنتاج وحده يصنع النفوذ إذا تعطلت الطرق التي تربطه بالعالم.
وهكذا انتقلت المنافسة من امتلاك الثروة إلى إدارة رحلتها.
وليس هذا التحول جديدًا بالكامل. فمنذ أن أدركت الإمبراطوريات البحرية أن السيطرة على البحار أهم من السيطرة على السواحل، بدأ الطريق يكتسب قيمة لا تقل عن قيمة البضاعة التي تمر عبره. ولهذا سعت البرتغال ثم إسبانيا وبعدهما بريطانيا إلى تأمين المضائق والموانئ وخطوط الملاحة قبل أن تتوسع داخل القارات. كانت التجارة هي مصدر القوة، وكانت حماية طرقها هي الضمان الحقيقي لاستمرار تلك القوة. لكن الفرق أن العالم آنذاك كان يملك بدائل أبطأ، بينما أصبح الاقتصاد الحديث أكثر ترابطًا وأكثر اعتمادًا على التدفق المستمر، حتى إن تعطل عقدة واحدة قد ينعكس على مصانع وأسواق تبعد آلاف الكيلومترات.
كانت حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة في قناة السويس عام 2021 لحظة كاشفة أكثر منها أزمة عابرة. سفينة واحدة كانت كافية لإرباك التجارة العالمية، وتأخير آلاف الحاويات، ورفع تكاليف النقل، وإظهار هشاشة نظام اقتصادي يعتمد على تدفق لا يحتمل الانقطاع. ثم أعادت التوترات المتكررة في مضيق هرمز التذكير بأن جزءًا كبيرًا من تجارة الطاقة العالمية يمر عبر ممر بحري ضيق. وبعدها جاءت التطورات في باب المندب لتدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وتحمل تكاليف إضافية، بينما ظل مضيق ملقا أحد أهم شرايين الاقتصاد الآسيوي. لم تكن المشكلة في قناة أو مضيق بعينه، بل في حقيقة أكبر؛ وهي أن الاقتصاد العالمي أصبح يعتمد على عدد محدود من العقد التي تمر عبرها التجارة والطاقة والمواد الخام. وكلما تعطلت عقدة، شعر العالم كله بالارتجاج.
من هنا تغيّر تعريف القوة. فلم تعد القوة تُقاس فقط بما تختزنه الدول تحت أرضها، بل بما تستطيع أن تديره فوق أرضها. لم يعد السؤال: ماذا تملك؟ بل أصبح: كم يمر عبرك؟ وكم اقتصادًا يعتمد عليك؟ وكم شبكة عالمية يصعب تجاوزها؟ إن القيمة الاقتصادية لم تعد تتولد عند استخراج النفط أو تصنيع المنتج فقط، بل على امتداد الطريق الذي يربط المنتج بالمستهلك. ولذلك لم تعد الموانئ مجرد مرافق للنقل، بل أصبحت منصات لصناعة القيمة، ولم تعد الخدمات اللوجستية نشاطًا مساعدًا، بل أصبحت صناعة استراتيجية تصنع النفوذ قبل أن تصنع الأرباح.
وقد أدركت الصين هذا التحول مبكرًا. فمبادرة الحزام والطريق لم تكن مجرد مشروع ضخم للبنية التحتية، بل رؤية لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية. فبناء الموانئ، وربطها بالسكك الحديدية، والاستثمار في الممرات الاقتصادية، لم يكن هدفه تقليص زمن الشحن فحسب، بل جعل الصين مركزًا يصعب تجاوزه في رحلة التجارة الدولية. ولعل ميناء غوادر على بحر العرب يجسد هذه الرؤية بوضوح. فقبل أن يتحول إلى اسم متداول في النقاشات الجيوسياسية، كانت الصين تبني فيه إحدى أهم حلقات مشروعها، فيما اتجهت المملكة العربية السعودية إلى الاستثمار فيه انطلاقًا من قراءة تتجاوز حدود السوق الباكستانية إلى ما يمكن أن يمثله الموقع في مستقبل التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. فالقيمة الحقيقية للميناء لا تكمن في عدد أرصفته أو حجم نشاطه الحالي، بل في موقعه داخل شبكة التجارة العالمية التي تتشكل تدريجيًا. والدول التي تدرك قيمة هذه العقد قبل أن تصبح محط اهتمام الجميع، لا تستثمر في ميناء فحسب، بل تستثمر في موقع قد يتحول مع الزمن إلى أحد مصادر النفوذ الاقتصادي.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة ما تشهده المملكة العربية السعودية من استثمارات واسعة في الموانئ، والمناطق اللوجستية، والممرات التي تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر. ولهذا يحتل القطاعاللوجستي موقعًا محوريًا في مستهدفات رؤية السعودية 2030، باعتباره رهانًا على موقع المملكة في الاقتصاد العالمي، لا مجرد تطوير لقطاع النقل.
فهذه المشاريع لا تعني التوسع في قطاع النقل فحسب، بل تعكس قراءة مبكرة لتحول يطال بنية الاقتصاد العالمي. فالدولة التي تتحول إلى عقدة رئيسية في حركة التجارة لا تكتسب رسوم عبور فقط، بل تجذب الصناعات، والخدمات، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد، وتصبح جزءًا من القرار الاقتصادي العالمي لا مجرد ممر له. إنها تضيف إلى اقتصادها قيمة تتجاوز كثيرًا قيمة ما تنتجه من موارد، لأنها تصبح شريكًا في صناعة القيمة نفسها.
ولعل ما يزيد هذا التحول عمقًا أن مفهوم “الطريق” لم يعد يقتصر على البحر. فكما تنتقل الحاويات عبر الموانئ، تنتقل البيانات عبر الكابلات البحرية، وتنتقل المعاملات المالية عبر الشبكات الرقمية، وتنتقل المعرفة عبر البنية التحتية للاتصالات. ولهذا لم يعد الاستثمار في الموانئ منفصلًا عن الاستثمار في مراكز البيانات، ولا في الكابلات البحرية، ولا في البنية الرقمية. فجميعها أصبحت حلقات في شبكة واحدة، تقوم على الفكرة ذاتها: من ينجح في إدارة التدفقات، أيًا كان نوعها، يكتسب نفوذًا يتجاوز حدود اقتصاده.
ولهذا السبب لم يعد التنافس الدولي يدور حول النفط وحده، ولا حول المعادن النادرة وحدها، ولا حتى حول التكنولوجيا وحدها. فكل واحدة من هذه الأدوات تحتاج إلى طريق يصلها بالعالم. ويمكن تعويض كثير من الموارد، ويمكن تطوير بدائل لكثير من التقنيات، لكن بناء شبكة عالمية موثوقة من الموانئ، والممرات، والبنية اللوجستية، والكابلات البحرية، يحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات هائلة وثقة دولية متراكمة. ولذلك أصبحت هذه الشبكات أصولًا استراتيجية لا تقل أهمية عن حقول النفط أو المصانع أو المراكز المالية.
وربما لهذا السبب أيضًا نشهد اليوم تنافسًا محمومًا على الممرات الاقتصادية أكثر من تنافسنا على الحدود السياسية. فالدول لم تعد تسأل فقط ماذا تملك، بل أين تقع داخل الشبكة العالمية. وهل تمر التجارة عبرها أم تتجاوزها؟ وهل يعتمد الآخرون على بنيتها التحتية أم يستطيعون الاستغناء عنها؟ فالمكانة في القرن الحادي والعشرين لا تحددها الجغرافيا وحدها، بل تحددها القدرة على تحويل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
التاريخ يكافئ في كل عصر من يفهم مصدر القوة قبل غيره. واليوم لا تبدو القوة كامنة فيما نملكه، بل في قدرتنا على أن نجعل العالم يمر عبرنا.