د.شريف بن محمد الأتربي
في كل مرة نناقش فيها تطوير التعليم، تتجه الأنظار إلى المناهج، أو التقنيات الحديثة، أو الذكاء الاصطناعي، أو المباني المدرسية، أو نتائج الاختبارات الدولية. لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب العالمية، قديمها وحديثها، أن نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح تعليمي ليست الكتاب ولا المنهج ولا التقنية، وإنما المعلم.
فإذا أحسنا اختيار المعلم، وأحسنا إعداده، وأحسنا تمكينه، فقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق الصحيح. أما إذا أهملناه، فلن تستطيع أفضل المناهج ولا أحدث التقنيات أن تصنع تعليمًا متميزًا.
إن الفرق كبير بين أن يكون التدريس وظيفة يؤديها الإنسان للحصول على راتب، وبين أن يكون مهنة ورسالة يعيشها في كل تفاصيل حياته. الموظف ينتهي دوره بانتهاء ساعات العمل، أما المعلم الحقيقي فلا يتوقف تأثيره عند جرس نهاية الحصة؛ فهو قدوة في سلوكه، وأسلوبه، وكلماته، وطريقة تعامله مع طلابه داخل المدرسة وخارجها.
ولذلك فإن أول خطوة في إصلاح التعليم ليست تعديل المناهج، بل تحويل التدريس من وظيفة إلى مهنية قائمة على الكفاءة والرسالة والمسؤولية. فعندما يصبح لدينا معلم مهني، يصبح لدينا قائد تربوي قادر على قيادة رحلة التعلم، لا مجرد ناقل للمعلومات.
لقد تغير دور المعلم في القرن الحادي والعشرين. فلم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، بعد أن أصبحت المعلومات متاحة بضغطة زر. وأصبح دوره الحقيقي أن يكون ميسرًا للتعلم، ومرشدًا، وموجهًا، وصانعًا للبيئات التعليمية التي تنمي التفكير والإبداع والبحث. إنه يقود رحلة التعلم مع طلابه، فيكون أحيانًا معلمًا، وأحيانًا مدربًا، وأحيانًا شريكًا في الحوار، بل متعلماً عندما يفرض الواقع ذلك؛ لأن التعلم المستمر هو السمة الأبرز للمعلم الناجح.
غير أن هذه الأدوار لا يمكن أن تؤدى بكفاءة ما لم تُبنَ على أساس متين من القيم التربوية. فالمعلم لا يعلّم الرياضيات أو العلوم أو اللغة فحسب، بل يعلّم الانضباط، والاحترام، والصدق، والتسامح، والعمل الجماعي، من خلال سلوكه قبل كلماته. ولهذا قيل قديمًا: «حال رجل في ألف رجل، خير من مقال ألف رجل لرجل.»
ومن هنا تأتي أهمية حسن اختيار المعلم منذ البداية. فالمعايير الأكاديمية وحدها لا تكفي، مهما بلغت أهميتها. فالمعلم يحمل رسالة تتجاوز حدود التخصص؛ ولذلك ينبغي أن يجمع بين الكفاءة العلمية، والنضج التربوي، والاتزان النفسي، والقدرة على التواصل، والإيمان برسالته، ليكون نموذجًا يحتذي به طلابه.
ولعل من أكثر الظواهر التي تستحق المراجعة أن بعض المعلمين أصبحوا -بقصد أو بغير قصد- يقدمون أنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي بصورة لا تنسجم مع مكانتهم التربوية. فالطالب الذي يرى معلمه ساخرًا من الآخرين، أو متعصبًا رياضيًا، أو منخرطًا في جدالات لا تليق بمقامه، يصعب أن يفصل بين هذه الصورة وبين صورة المعلم داخل الفصل. إن القدوة لا تتجزأ، والرسالة التربوية لا تتوقف عند باب المدرسة.
وليس المقصود أن يُطلب من المعلم أن يعيش حياة مثالية أو أن يتخلى عن إنسانيته، وإنما أن يدرك أن مكانته المجتمعية تمنحه تأثيرًا استثنائيًا، وأن هذا التأثير يحمّله مسؤولية استثنائية أيضًا. فكل كلمة، وكل موقف، وكل تصرف قد يصبح درسًا يتعلمه طالب، سواء أكان ذلك داخل المدرسة أم خارجها.
إن الدول التي حققت قفزات نوعية في التعليم لم تبدأ بالأجهزة الذكية، بل بدأت ببناء معلم ذكي، مؤمن برسالته، معتز بمهنته، وقادر على التطور المستمر. فالمناهج تتغير، والتقنيات تتطور، لكن المعلم الكفء يبقى العنصر الثابت الذي يمنح كل تلك الأدوات قيمتها الحقيقية.
ولهذا، إذا أردنا مستقبلًا تعليميًا أفضل، فلنبدأ من البداية الصحيحة: المعلم أولًا، وقبل كل شيء. فهو حجر الأساس الذي تُبنى عليه جودة التعليم، والقائد الذي يصنع بيئة التعلم، والمربي الذي يغرس القيم، والقدوة التي تصنع الأجيال. فإذا صلح المعلم، صلحت المدرسة، وإذا صلحت المدرسة، صلح المجتمع، وإذا صلح المجتمع، كان التعليم هو الاستثمار الأجدى في صناعة المستقبل.