د. محمد بن إبراهيم الملحم
في يوليو 2026 ظهرت أزمة في الامتحانات الوطنية في البرتغال لتقدم مثالاً عملياً على خطورة وضع مستقبل الطلاب في كفة امتحان واحد، فقد طبقت البرتغال نظاماً للتصحيح الإلكتروني يقوم على مسح أوراق الإجابات وتوزيع بنودها رقمياً على المصححين، وكان الهدف هو تحقيق مزيد من الدقة والموضوعية والشفافية، غير أن المشكلات التقنية بدأت مبكراً، واضطرت وزارة التعليم إلى تأجيل إعلان النتائج بسبب صعوبات في عملية التصحيح الإلكتروني، ثم أقرت الحكومة البرتغالية بوجود أوراق متابعة مفقودة، وصفحات احتاجت إلى إعادة الفحص، وقدمت الوزارة اعتذاراً للطلاب والأسر والمدارس عن الاضطراب الذي وقع في مرحلة وصفتها الحكومة نفسها بأنها حاسمة لمستقبل الطلاب، وكشفت المراجعة كذلك عن خطأ في إعداد مصفوفة تصحيح أحد بنود امتحان الفيزياء والكيمياء، وأدى تصحيح هذا الخطأ إلى ارتفاع درجات 11,496 طالباً.
هذه الحادثة كشفت حجم العبء الذي يوضع على ورقة امتحان واحدة، فقد يدرس الطالب سنوات طويلة، ثم يصبح مستقبله معلقاً بصفحة لم تمسح رقميا جيداً، أو إجابة لم تظهر للمصحح، أو ملف ربط باسم غير صحيح، أو خطأ في برنامج نقل النتائج، ولا يجب أن نستنتج من الحادثة البرتغالية أن كل اختبار موحد ظالم، أو أن التصحيح الإلكتروني فاشل بالضرورة، لكنها تثبت أن الخطأ التقني أو البشري يتضخم عندما ينفرد اختبار واحد بتقرير المصير، وكلما ارتفعت المخاطر المرتبطة بالدرجة وجب أن ترتفع معها ضمانات العدالة والمراجعة وتعدد الأدلة، ولهذا يطالب المنتقدون بالانتقال من الاعتماد شبه الكامل على «تقويم التعلم» في نهاية المقرر إلى توسيع «التقويم من أجل التعلم» خلال عملية التعلم، وقد بين بول بلاك Paul Black وديلان ويليام Dylan Wiliam، في مراجعة بحثية شهيرة نشرت عام 1998، أن التقويم التكويني القائم على التغذية الراجعة المستمرة وتعديل التدريس وفق احتياجات الطلاب يمكن أن يحقق مكاسب مهمة في التعلم.
وهذه الحادثة تجعلنا نستذكر أن هناك اتجاها تربويا عالميا يعارض التوسع في الاختبارات التي يترتب على نتيجتها تقرير مصير الطالب، كأن تحدد نجاحه أو رسوبه، أو انتقاله إلى مرحلة أخرى، أو حصوله على الشهادة، أو قبوله في التخصص الذي يرغب فيه، ويطلق هؤلاء التربويون على هذه الاختبارات اسم «الاختبارات عالية المخاطر» High-Stakes Testing، لأن خطورتها لا تأتي من صعوبة أسئلتها، بل من ضخامة القرارات التي تبنى على درجاتها، ولابد أن نوضح ان أصحاب هذا الاتجاه لا يعارضون الاختبارات في ذاتها، ولا يدعون إلى انتقال الطلاب بين المراحل دونما تقويم، وقد ناقش المجلس القومي للبحوث في الولايات المتحدة هذه القضية في تقرير موسع بعنوان «المخاطر العالية: الاختبارات من أجل التصنيف والترقية والتخرج»، مؤكداً أن القرارات المصيرية لا ينبغي أن تعتمد على نتيجة اختبار واحد بمعزل عن بقية الأدلة المتعلقة بتعلم الطالب وأدائه خلال العام الدراسي، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الاختبارات وظيفتها الطبيعية، وهي معرفة ما تعلمه الطالب، لتصبح هي الغاية التي يعمل من أجلها النظام التعليمي كله. فعندما ترتبط مكانة المدرسة ومستقبل الطالب وتقدير المعلم بنتائج الامتحانات، فإن السؤال الذي يسيطر على العملية التعليمية لن يكون: ماذا تعلم الطالب؟ بل: كيف نرفع درجته في الاختبار، وفي هذا الشأن ينطبق «قانون كامبل» وهو عالم الاجتماع وعلم النفس الأمريكي دونالد كامبل Donald T. Campbell الذي يقول: إن المؤشر الكمي كلما ازداد الاعتماد عليه في اتخاذ قرارات اجتماعية مهمة، تعرض لضغوط أكبر، وأصبح أكثر قابلية لإفساد العملية التي وضع أصلاً لقياسها، وبتطبيقه هنا فإن درجة الاختبار التي تقيس التعلم قد تدفع المدرسة إلى تغيير ما تعلمه للطلاب حتى يتلاءم مع ما يقيسه الاختبار.
والدراسات في هذا الشأن كثيرة، فقد أجرى الباحث التربوي واين أو Wayne Au عام 2007 تحليلاً تركيبياً شمل 49 دراسة نوعية تناولت أثر الاختبارات عالية المخاطر في المناهج والتدريس، ووجد أن الأثر الأكثر شيوعاً تمثل في تضييق المنهج على المواد والموضوعات التي تدخل في الاختبار، وتجزئة المعرفة إلى وحدات صغيرة مرتبطة بأنماط الأسئلة، وزيادة التدريس المباشر الذي يسيطر عليه المعلم، ولذلك فإن أخطر ما يخشاه أصحاب هذا الاتجاه هو أن يتحول التعلم من قيمة عقلية وإنسانية إلى وسيلة مادية للحصول على الدرجة والشهادة والمقعد الدراسي، وقد شرحت الباحثة كارول أميس Carole Ames الفرق بين بيئة تعليمية تركز على الإتقان وبيئة تركز على الأداء، ففي بيئة الإتقان يهتم الطالب بتطوير قدرته وفهمه وتحسين مستواه، بينما تضعه بيئة الأداء في مقارنة مستمرة مع زملائه، وتدفعه إلى إثبات قدرته من خلال الدرجة والترتيب، وهناك دراسة أخرى أجرتها شارون نيكولز Sharon L. Nichols وجين غلاس Gene V. Glass وديفيد برلينر David C. Berliner، ونشرت عام 2006، قارنت بين ضغط أنظمة الاختبارات عالية المخاطر والتحصيل في 25 ولاية أمريكية. ولم يجد الباحثون دليلاً قوياً على أن زيادة الضغط الاختباري أدت في ذاتها إلى قيمة مهمة في تعلم الطلاب، فقد تتحسن درجات الاختبار المستهدف نتيجة التدريب المتكرر على نمطه، ولكن ذلك لا يثبت بالضرورة أن الطالب أصبح أكثر فهماً أو قدرة على تطبيق المعرفة خارج ورقة الامتحان.
وقد أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عن شهادات المرحلة الثانوية، الصادر عام 2026، أن معظم أنظمة الشهادات تجمع بين أدوات متعددة، مثل الامتحانات والمشروعات والأداء العملي وملفات الإنجاز، لأن أداة واحدة لا تستطيع قياس جميع أهداف المنهج، فالاختبار قد يقيس جزءاً مهماً من المعرفة، لكنه لا يقيس منفردا «المثابرة»، ولا «تطور الطالب عبر الزمن»، ولا قدرته على البحث والعمل والتجريب والتعاون. ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء الاختبارات، بل إعادتها إلى حجمها الطبيعي: أن تكون دليلاً من بين عدة أدلة على تعلم الطالب، لا حكماً نهائياً على قيمته، ولا بوابة وحيدة تحدد مستقبله.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً