مهدي آل عثمان
لم تعد السياحة في عصر الإعلام الرقمي تعتمد على الحملات الإعلانية التقليدية وحدها، بل أصبحت التجربة الواقعية التي يتم نقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أكثر أدوات التسويق تأثيراً في صناعة القرار السياحي. ومن هنا، لم يعد دور المسؤول يقتصر على التخطيط وإطلاق المبادرات، وإنما امتد ليصبح سفيراً لوجهات وطنه، ينقل جمالها إلى الناس، ويشاركهم تفاصيلها، ويعزز ثقتهم بما تمتلكه بلادهم من مقومات سياحية. وقد تجسد هذا المفهوم بوضوح في زيارة وزير السياحة أحمد الخطيب لمنطقتي الباحة وعسير، وما رافقها من منشورات نقلت للمواطنين والمقيمين تجربة حية تنبض بجمال المكان وأصالته.
فقد حرص الوزير على مشاركة متابعيه تفاصيل رحلته، بدءاً من الإقامة في أحد المنتجعات، مروراً بالمطلات الطبيعية، وتذوق البن الشدوي، ووصولاً إلى تجارب المغامرات وسط الضباب والأجواء المعتدلة. ولم تكن تلك المنشورات مجرد صور ومقاطع مرئية، بل رسائل تسويقية ذكية قدمت الوجهة السياحية كما يعيشها الزائر، وهو الأسلوب الذي أثبت نجاحه في التأثير على اختيارات المسافرين أكثر من أي إعلان تقليدي.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية مضاعفة عندما تصدر من المسؤول الأول عن القطاع، فهي تعكس ثقة الوزارة بما وصلت إليه الوجهات السياحية من جاهزية وجودة، كما تؤكد أن العمل الميداني بات جزءاً من منظومة التسويق السياحي، وأن المسؤول أصبح شريكاً في التعريف بالمقومات الوطنية، وليس مجرد متابع لها من خلف المكاتب.
وتتمتع المناطق الجنوبية، وفي مقدمتها الباحة وعسير، بميزات استثنائية تجعلها من أبرز الوجهات السياحية في المملكة. فهي تجمع بين اعتدال المناخ، والغابات الكثيفة، والمرتفعات الشاهقة، والضباب الذي يكسو الجبال، إلى جانب القرى التراثية، والمنتجات المحلية، والثقافة الأصيلة. وعندما تُقدم هذه العناصر من خلال تجربة حقيقية ينقلها مسؤول ميداني، فإنها تترك أثراً بالغاً في نفوس المتابعين، وتدفع كثيرين إلى اتخاذ قرار زيارة تلك المناطق واستكشافها.
ولا يقف أثر هذا النوع من التسويق عند تنشيط الحركة السياحية فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد المحلي بأكمله. فزيادة أعداد الزوار تعني ارتفاع نسب الإشغال في الفنادق والمنتجعات، وانتعاش المطاعم والمقاهي، وزيادة الإقبال على الأنشطة الترفيهية، وفتح آفاق أوسع أمام الأسر المنتجة والحرفيين والمزارعين لتسويق منتجاتهم. كما تمنح المستثمرين مزيداً من الثقة في جدوى الاستثمار في المشاريع السياحية، وهو ما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل.
ومن الجوانب الجديرة بالتقدير في هذه الزيارات أنها لم تركز على جمال الطبيعة وحده، بل أبرزت المنتجات المحلية بوصفها جزءاً من هوية المكان، كما حدث مع البن الشدوي الذي يمثل أحد رموز المنطقة الزراعية والثقافية. وهذا الربط بين السياحة والمنتج المحلي يعزز القيمة الاقتصادية للهوية الوطنية، ويجعل السائح يعيش تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والثقافة والاقتصاد المحلي.
كما أن استمرار المسؤولين في النزول إلى الميدان، والتواصل المباشر مع الزوار والمستثمرين، والاستماع إلى الملاحظات، يسهم في تطوير الخدمات وتحسين جودة الوجهات السياحية، ويؤكد أن التطوير لا يقتصر على تنفيذ المشاريع، بل يشمل أيضًاً المتابعة والتقييم والتفاعل مع الواقع. وهذا النهج يعزز ثقة المجتمع، ويرفع مستوى التنافسية بين الوجهات السياحية في مختلف مناطق المملكة.
لقد أثبتت زيارة وزير السياحة للباحة وعسير أن الصورة الصادقة، والتجربة الواقعية، والحضور الميداني، أصبحت أدوات فاعلة في صناعة الوجهة السياحية. ومع ما تمتلكه المملكة من تنوع جغرافي وثقافي وتراثي فريد، فإن هذا الأسلوب يمثل استثماراً ذكياً في القوة الناعمة، ويعزز مكانة السياحة الداخلية بوصفها أحد روافد الاقتصاد الوطني، ويقرب المواطن والمقيم من اكتشاف كنوز وطنه. وعندما يتحول المسؤول إلى سفير للسياحة، فإن الرسالة تصبح أكثر صدقاً، والأثر أوسع انتشاراً، والنتائج أكثر استدامة، وهو ما تنشده رؤية المملكة 2030 في بناء قطاع سياحي مزدهر، يعكس جمال الوطن ويترجم إمكاناته إلى فرص تنموية واقتصادية واعدة.