عبدالكريم بن دهام الدهام
تتداخل في الحياة قصص كثيرة، منها ما يمر عابراً، ومنها ما يترك في الروح أثراً لا يمحوه الزمن.
بدأت رحلتي مع جمعية التنمية الأسرية بمنطقة الحدود الشمالية «ألفة» من حديث دافئ ومؤثر مع صديق عمر، كاد بيته أن يعصف به الفراق، وتتشتت أسابيع الاستقرار فيه. قال لي وعيناه تلمعان بدموع الامتنان: «لولا الله ثم جمعية ألفة لضاع بيتي وتشرد أبنائي». كان يتحدث بفيض من الشجن عن دور الجمعية الفعّال في الإصلاح الأسري، وخص بالذكر والثناء الأستاذة الفاضلة سهام الرميح، التي كانت بلسماً جراحياً وسبباً مباشراً في إصلاح ذات البين بينه وبين زوجته، ولمّ شملهم بعد طول جفاء.
ولم يكن غريباً هذا العطاء من الأستاذة سهام؛ فهي والدة الشهيد البطل النقيب عبدالله بن إبراهيم السليم -يرحمه الله- الذي روى بدمائه الطاهرة ثرى الحد الجنوبي قبل نحو ثماني سنوات. فالمرأة التي قدمت للوطن قطعة من قلبها، ليس مستغرباً عليها أن تهب وقتها وخبرتها لتحمي بيوت أبناء الوطن من التصدع والضياع.
هذا الحديث قادني مدفوعاً بفضول المحب ومستكشف الخير للقيام بزيارة مؤخراً لمقر الجمعية في مدينة عرعر. تجولت في مرافقها، وقابلت عدداً من أعضاء مجلس الإدارة، فلم أرَ مجرد مكاتب إدارية، بل رأيت خلية نحل تنبض بالحب والمسؤولية، وتعمل برؤية علمية ثاقبة تحول المشاعر الإنسانية إلى عمل مؤسسي منظم.
منذ أن تأسست «ألفة» في عام 1435هـ، وهي تحمل على عاتقها رسالة مقدسة أن تكون المؤسسة الأسرية الأكثر فاعلية في مجتمع المملكة عموماً وفي مدينة عرعر خصوصاً. وتسعى الجمعية جاهدة لتحقيق الألفة، السعادة، والنجاح لكل فرد في الأسرة.
تستند الجمعية في عملها على قيم راسخة من الموضوعية والشفافية في تشخيص الواقع الاجتماعي وتقديم الحلول العلمية والعملية للمشكلات الاجتماعية لتجنب الارتجال والوصول لأسرة مطمئنة تمثل النواة الحقيقية لمجتمع فاعل وقوي.
تتجاوز «ألفة» الدور التقليدي للجمعيات، لتقدم منظومة حماية ودعم متكاملة تهدف إلى تأهيل ودعم المقبلين والمقبلات على الزواج، والتوفيق بين الراغبين فيه لبناء لبنات أولى قوية والتوعية بالحقوق والواجبات الزوجية لضمان ديمومة البيوت وتقديم الإصلاح والاستشارات لتوفير بيئة آمنة وخالية تماماً من العنف الأسري وتمكين الأسر إدارياً واقتصادياً ومجتمعياً وتقنياً، لتتحول من أسر عالة إلى أسر منتجة عبر مبادرات تنموية مستدامة وعقد برامج تأهيل وإعانة للمطلقات والأرامل، ومن غاب عنها عائلها بالمنطقة لمساندتهن في مواجهة ظروف الحياة وتزويد السجناء وأسرهم ببرامج أسرية إصلاحية تضمن دمجهم بكرامة داخل النسيج المجتمعي وتعزيز القيم والمواطنة الصالحة من خلال برامج رعاية اجتماعية متخصصة ترفع من كفاءة الأفراد.
إن هذا الأثر العظيم الذي تصنعه «ألفة» في شمالنا الغالي لم يكن ليزدهر لولا الرعاية الكريمة والدعم المادي والمعنوي اللامحدود من لدن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الحدود الشمالية. إن وقفات سموه الأبوية وتوجيهاته الدائمة كانت بمثابة الشريان الذي يمد الجمعية بالقوة لتواصل العطاء وتوسع دائرة إحسانها.
خلف الأبواب المغلقة في «ألفة»، تترجم الجهود إلى أرقام مبهرة تعكس حجم التضحية والعمل الدؤوب، 37,530 مستفيداً ومستفيدة غمرتهم رعاية الجمعية وبرامجها، و595 برنامجاً تنموياً صُممت خصيصاً للارتقاء بالمجتمع، و2,096 شاباً وفتاة تم تأهيلهم لتبدأ حياتهم الزوجية على أرض صلبة، و840 نزيلاً ونزيلة من السجون شملتهم برامج الإصلاح والدمج، و7,428 ساعة تدريبية نُفذت على مدار 1,876 يوماً تدريبياً لبناء المهارات وتطوير الذات، و98 مستشاراً ومستشارة أسرية تم تأهيلهم ليكونوا حصوناً علمية لحل المشكلات، وفي رحاب العطاء الطوعي، تتجلى أبهى صور التلاحم حيث يوجد هناك 839 متطوعاً ومتطوعة قدّموا من أوقاتهم 8,901 ساعة تطوعية عبر 578 فرصة تطوعية منظمة، أما عن معارك الصلح السلمية والبلسم الاستشاري، فكان الحصاد 941 حالة استشارية عولجت عبر 1245 جلسة استشارية توزعت بين 255 استشارة حضورية و496 استشارة هاتفية، و 91 قضية صلح ناجحة أثمرت عن عودة المياه لمجاريها في بيوت كادت تصبح مهجورة.
ختاماً لهذه الجولة الإنسانية، لا يسعني إلا أن أتقدم بآيات الشكر والتقدير لربان هذه السفينة، رئيس مجلس إدارة الجمعية الأستاذ زيد مطلق العياشي، والمدير التنفيذي للجمعية الأستاذ نواف عايد الرويلي، على جهودهما المخلصة وإدارتهما الحكيمة. والشكر يمتد عاطراً للأستاذة القديرة سهام الرميح المرشدة الأسرية بالمركز، ولعضو الجمعية العمومية والمرشدة النفسية بالمركز الأستاذة حمدية بطي، اللتين تمثلان اليد الحانية والعقل الحكيم داخل أروقة الاستشارات. والتحية والتقدير والدعاء موصول لتلك الأيادي الخفية، والعاملين والعاملات خلف الكواليس، الذين لا تلمحهم الأعين لكن آثار بصماتهم تظهر في ابتسامة طفل عاد لأبيه، وفي استقرار أمّ حُفظت كرامتها.
بارك الله في «ألفة» الشمال، وجعلها دوماً حصناً مشيداً للحب والوئام.