عبود بن علي ال زاحم
في عالم يموج بالأزمات والمتغيرات الجيوسياسية، لا تُقاس قوة الدول بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على إدارة الإنسان وحوكمة المؤسسات وتحويل التحديات إلى فرص. وهذا ما أثبته التقرير المميز الذي قدمه الإعلامي ثواب السبيعي عن جهود الهيئة العامة للموانئ خلال أزمة إغلاق مضيق هرمز.
فالمشهد لم يكن مجرد سفن عالقة أو بضائع تبحث عن طريق بديل، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة أزمة دولية معقدة دون أن يتوقف نبض الاقتصاد أو تتعطل سلاسل الإمداد.
ومن يتأمل ما حدث يدرك أن ما نشاهده اليوم ليس استجابة لحظة، بل هو ثمرة رؤية بعيدة المدى بدأت مع إطلاق رؤية المملكة 2030 بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم وتمكين من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. رؤية أعادت بناء القطاعات الحكومية على أسس الحوكمة والكفاءة ورفعت مستوى الجاهزية، ورسخت أن الدولة الحديثة لا تنتظر الأزمات بل تستعد لها قبل وقوعها.
لذلك عندما تعطلت حركة الملاحة لم تتوقف المملكة عند إدارة الأزمة، بل أعادت رسم مسارات التجارة، وربطت الموانئ بالسكك الحديدية، وفعّلت البدائل اللوجستية، واستوعبت حركة الواردات والصادرات لدول الخليج. وكان ذلك انعكاسًا طبيعيًا للتحول الكبير الذي شهدته المنظومة اللوجستية خلال السنوات الماضية.
لكن أكثر ما استوقفني في التقرير لم يكن الحاويات ولا الأرقام، بل الإنسان.
بحارة من جنسيات متعددة وجدوا من يزورهم ويطمئن عليهم ويوفر لهم احتياجاتهم الأساسية بعد أشهر من العزلة فوق السفن. وسائقو الشاحنات وجدوا أماكن للراحة ومساجد ومرافق متكاملة وموظفين يتحدثون بلغاتهم. قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تعكس ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الإنسان يأتي أولًا.
وهنا تظهر العلاقة الوثيقة مع الموارد البشرية.
فالموارد البشرية ليست إدارة للتوظيف أو التدريب فحسب، بل هي فلسفة تجعل الإنسان محور كل قرار. وعندما يشعر الإنسان بالتقدير والاحترام والثقة، فإنه يقدم أفضل ما لديه، وتصبح المؤسسة أكثر قدرة على مواجهة الظروف الاستثنائية وتحقيق الإنجاز.
لقد أثبتت التجربة السعودية أن تطوير الموارد البشرية لا يقتصر على تنمية المهارات، بل يشمل بناء ثقافة عمل قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، والعمل بروح الفريق، والتكامل بين الجهات، وتقديم الخدمة بكفاءة وإنسانية في الوقت نفسه.
ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تتحول المملكة خلال أزمة دولية إلى مركز لوجستي يخدم المنطقة، ويضمن استمرار تدفق البضائع، ويعزز الأمن الغذائي لدول الخليج، ويترجم عمليًا مستهدفات رؤية 2030 بأن تكون المملكة محورًا يربط القارات الثلاث ومركزًا لوجستيًا عالميًا.
إن الدول لا تصنع مكانتها بالموانئ وحدها ولا بالمطارات أو الطرق والقطارات، بل تصنعها بقيادات تمتلك الرؤية، ومؤسسات تعمل وفق الحوكمة، وكفاءات وطنية مؤهلة، ومنظومة موارد بشرية تؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن.
فالاستثمار الحقيقي لا يكون في الحجر بقدر ما يكون في البشر. وعندما يُمكَّن الإنسان وتُبنى المؤسسات على الكفاءة والاستعداد، تتحول الأزمات إلى فرص، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية لمنظومة صنعتها رؤية طموحة وقيادة آمنت بأن الإنسان هو الثروة الوطنية الأولى.