صالح الشادي
امتدت بي الرحلة في البحث عن عالم الجن أكثر من ثلاثين عاماً، قادني خلالها الفضول الطفولي والتساؤلات الملحة إلى الترحال، والغوص في التفاسير، وكتب الأوائل، وما دوّنه السابقون من آثار، حتى استقرّ في نفسي أن الجن أحياء مستترة عن الحواس، وأن الجان هو الصنف العاقل المكلف، وأما الشياطين فليست نوعاً مستقلاً، بل هم العتاة المردة، ويمتد وصفهم ليشمل أبناء إبليس، أو بعض فئات الجن، أو شياطين الإنس أيضاً.
وتجلت في الأفق حقائق أخرى تبين أن هذا العالم ليس كتلة واحدة، بل قبائل متعددة، وفئات وعشائر، وديانات وطوائف شتى، كما أن العلاقة بين البشر والجان نادرة جداً، ولا تتأتى إلا في ظروف استثنائية. وتأكد لدي أن الكثير مما يشاع بين العوام عن السحر والمس هو زيف ومحاولات تكسب، وأن كثيراً من الأمراض النفسية والعضوية لا أصل لها في هذا الباب، بل هي أمراض طبية كغيرها من علل البشر.
وما توارثناه من حكايا الأجداد عن مخاوف الجن، وما تداوله الشعراء من تباهٍ بمعرفتهم والإلهام منهم، وما امتلأت به الكتب من قصص وروايات، إنما يعود في أكثره إلى تفسيرات خاطئة لظواهر طبيعية، أو إلى نقل محرّف من تواتر شفهي، لا سند له من عقل ولا وحي.
ولعل أعظم الحقائق التي استقرت في النفس أن الجن سكنوا الأرض وسادوها قبل البشر، ولكن الله اصطفى الإنسان واستخلفه فيها، وجعله أقوى مخلوق بما وهبه من إرادة وتسخير، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فهم من حولنا بأضعاف مضاعفة، لكن ترددهم الذبذي أعلى من مدارك حواسنا، لذا يستحيل رؤيتهم، كما قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، ومع ذلك فهم لا يعنوننا بشيء، ولا علاقة لهم بنا في جملة أحوالنا؛ لكلٍ عالمه وما يشغله، فلا تبادل ولا تداخل إلا فيما ندر. وأما الشياطين –وهم العتاة المتمردون من الجن والإنس– فقد جُبلوا وسُخّروا للإغواء والتخويف، وحرف الإنسان عن فطرته، وبث القلق في قلبه، وهو مجال آخر تحدثت عنه الأديان وأشار إليه القرآن في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، وقوله: «يُوسِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ»، فشأنهم مختلف، وغايتهم معلومة. والإيمان بوجودهم ليس مجرد معرفة، بل هو واجب ديني يقترن بمراعاة أدب التعامل مع الغيب، ويدفعنا إلى الالتزام بالاستعاذة والأذكار، والحذر من شياطين الجن والإنس على السواء، فهي الوقاية التي عصمت بها النفوس، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}.
ولما فرغت من بحوثي في هذا الجانب وطبعت بعضها ككتب، تفاوتت ردود الناس بين معجب يراه مقصوراً على فئة خاصة، ومتشكك في أمره، لكني آثرت الصمت، لأني أؤمن أن العلم بحر مباح، وأن طلب الحقيقة ليس حكراً على أحد، وكلٌ يؤتى من علمه بقدر ما نوى واجتهد. ومضت السنوات حتى جاءت ثورة المعلومات، فصار جلّ ما دوّنته مشاعاً بين الباحثين، وكتب فيه غيري وأضافوا، مما زادني يقيناً بأن المعرفة تتجاوز الأفراد، وما قدّمه السابقون يظل أصلاً يعود إليه كل باحث.
وفي ختام هذه الرحلة الطويلة، وبروح من التواضع، أقرّ بأن ما خلصت إليه لا يخرج عن جوهر ما قاله الأقدمون، بل هو تأكيد له وتقريب للفهم، وأن الحقيقة الغيبية لا تُدرك بالعقل وحده، ولا باستقراء النصوص وحدها دون توفيق الله، لكن السعي إليها بالعلم والأثر يبقى سبيلاً مفتوحاً لكل من صدق في الطلب، وما عندنا من علم لا يعدو كونه قطرة في بحر ما عند الله، والعبد يظل راحلًا في طلب الحقيقة ما أقامه الله في هذه الدار، مستعيناً به، متوكلاً عليه، وهو أعلم بالغيب وأحكم بتقدير الأمور.