عادل علي جودة
في لحظة ما؛ نبحث عن حروفنا فلا نجدها، كأنها تتعمد الهروب، أو الاختفاء في زوايا عجزنا، استشعارًا منها بأنها أعمق من قدرتنا، فترغمنا ـ دون أن ندرى ـ على وضع إشارات موجزة في صندوق التأجيل إلى حين الوقت المناسب.
ثم في لحظة أخرى، نجدها -أي حروفنا- تطاردنا، تُنادي ينابيع البوح فينا، أن ها قد حان الوقت لترسل أوجاعك وآهاتك، وأن تطلق صرخاتك التي لطالما اختنقت داخلك، وأن تفرج عن بعض ما حبسته من دمعك عله يُهدِّئ من رجفة خدّيك ووجنتيك.
وأراني ههنا - بعد أن أنهيت قراءتي لهذا المنجز الأدبي اللافت في تكوينه وأوصافه - أهمس داخلي مخاطبًا ابنة الكويت الماجدة، سيدة الفكر والقلم؛ الأديبة أسماء مبارك.
تُرى ما الذي أوقفك عن نشر هذه المجموعة في حينها، فهي تتصل بمرحلة عصيبة مرت بها دولة الكويت الحبيبة؟، ما الذي حبس أحرفًا دوّنتِها وأنت تشاهدين أحداثها قبل ما يقارب خمسًا وثلاثين سنة؟، وما الذي أخرجك عن صمتك، وحرّك أوجاعك، وجدد آهاتك، اليوم تحديدًا؟
إن كان حدسي صائبًا؛ فأن ما جدد قسوة الدمار، والقتل، والتشتت، والنزوح، والحرمان، وما رافق ذلك من آلام الفقد، وأوجاع الحيرة، وصراعات الضياع، يتصل بمشاهدتك لأحداث غزة وما واجهته ومازالت تواجهه من ويلات وأهوال على مرأى العالم وسمعه وصمته، فاعلمي أنك «لست وحدك»، بل هكذا هي حال كل ذي عينٍ مبصرةٍ وقلبٍ بصير.
وأجدني، وأنا أتناول مجموعتك القصصية الموسومة «بين الصمت والرماد»، أواجه شعورين متداخلين تجاه ما قدمتِهِ للقارئ بين غلافيه من صور تعكس قسوة المشهد الذي وإن مُسِحَت آثاره من الشوارع والبنيان، إلا أنها بقيت مستقرة في العين، والفكر، والقلب، والروح؛ شعور يتحسس قتامة ما سكن في النفس من حزن لم يمحه الزمن على الكويت وأهلها، وشعور آخر يتصل بما وهبك الله إياه من قدرة حقيقية على تنوير ثقافة المتلقي وإثراء ذائقته الأدبية.
لقد نكأتِ جراحًا لم تلتئم بتجديد أحزان تلك الفترة العصيبة، لكنك في الوقت نفسه أشبعت الذائقة بما اتسمَتْ به أدبيات سردك من اتزان مفرداته، وترابط محطاته، وبلاغة حبكته، يُضاف إلى ذلك ما أسكنته من خلاصاتٍ سريعة تُقَدِّمُ تجسيدًا دقيقًا لمختلف أركان «بين الصمت والرماد» على نحو يحاكي نقاء قلبك، وصدق انتمائك، وسمو فكرك، وفصاحة قلمك وحسن بيانه.
الواقع أنني لست بصدد الإطالة في وقفتي هذه، ذلك أنني على يقين أن ما اشتمل عليه هذا المؤَلَّف من محطات تستلزم الكثير من التأمل في حجم المأساة التي حلّت ليس فقط بدولة الكويت وأهلها، إنما بالمنطقة بأسرها، وذلك نتيجةً لسقوطٍ فكريٍّ، وانهزامٍ عَقَدِيٍّ، وتَعَرٍّ عُروبي، وقرارٍ منحرفٍ أدى إلى مرحلة مقيته أصابت المنطقة والأمتين العربية والإسلامية في مقتل، ولم نزل نحصد سمومها اللعينة؛ إذ فتحَت الأبواب على اتساعها لعدوٍّ ماكرٍ سرعان ما اقتنص الفرصة التي لطالما انتظرها على امتداد سنوات عمره، فانقض، فأوجد له موضع قدم للانطلاق نحو تحقيق أهدافه الواضحة الجلية التي نراها اليوم جلية في سلوكيات أعداء الأمة.
أهنئك أديبتنا المتألقة أسماء بإصدار نتاجك الأدبي الأول الذي سيشكل إضافة نوعية لجناح السرد القصصي والروائي في المكتبة العربية.
أهنئك وأنت تقدمينه للقارئ الكريم على هذا النحو من الوفاء، أهنئك وأنت تقدمينه حضنًا دافئًا يواسي المكلومين الصابرين المحتسبين ويطبب آهاتهم، ثم أهنئك وأنت تنتقين حروفك على هذا النحو من السمو، لينال كل ذي حق حقه مما تفيض به مشاعرك النبيلة، فيا لها من باقة شكر وفيّة لصاحب اللوحة التي حظيت بأن تكون غلافًا لمجموعتك القصصية، فكم كنت أنيقة وأنت تقدمين مفهومًا إبداعيًّا تشرئب له الذائقة بمخاطبتك صاحبها الفنان التشكيلي محمد نصرالله بقولك: «إلى صاحب اللوحة، الذي لم يمنحنا لونًا فحسب، بل فتح نافذةً على روح النص، وأعار الغلاف نبضه، فصار الوجه الأول للحكايات، شكرًا لأن لوحتك لم تُزيّن الكتاب فقط، بل أنصتت له، وفهمت صمته قبل كلماته، وحملت وجعه وجماله معًا دون ادّعاء». ثم تواصلين جمال بوحك بالقول: «بفضلك، صار الغلاف وعدًا، وصارت الحكايات حين تُمسك بالكتاب تبدأ قبل الصفحة الأولى. كل الامتنان لكرمك الفني، ولثقتك التي جعلت لوحتك بيتًا لهذه المجموعة، وذاكرةً بصريةً تحاكي بما كُتب بين السطور».
وكم كنت مذهلة وأنت تنثرين عبق مفاهيمك العميقة المؤثرة بحروف تملأ العين، والقلب، والروح، وإني لأراها تُشكل بلسمًا ليس فقط للكويت وأهلها، إنما أيضًا لأبطال غزة البواسل ولأهلها الشرفاء، وإنه ليطيب لي أن أزين كلمتي هذه ببضع اقتباسات سريعة جدًّا احترامًا لوقت القارئ الكريم؛ لقد جاء استهلال تمهيدك حيال ماهية «البطولة» بالقول: «في عالمٍ يظن أن البطولة تُصنع في ساحات الحرب وحدها، يأتي هذا الكتاب ليبوح بالحقيقة الأعمق؛ أن أشدّ المعارك فتكًا هي تلك التي تُخاض خلف الضلوع، وفي المسافات التي تفصل بين فكرةٍ تنهض ويد تحاول اللحاق بها». وأقول: صدقت يا أسماء، وطوبى لمن صبر وثبت.
وفي إطار تعريفك لعنوان مجموعتك، أبهرني قولك: «بين الصمت والرماد مسافةٌ لا تُرى، مسافةٌ يتنفّس فيها القلب ما لم يستطع الصوت حمله، ويتعافى فيها الجرح من حدة الوجع، ويتحرر القلب من ثقل الكتمان. هنا، تنطلق الخطوات الأولى نحو الضوء، مدفوعة لا بالانتصار، بل بالنجاة، وبالإصرار العميق على أن الروح مهما تهشمت وتبعثرت جوانحها تجد طريقها دومًا إلى النور».
ويا له من مفهوم عميق أدرجته متن «أجنحة لا تُرى» لمعنى الهزيمة بالقول: «الهزيمة الحقيقية ليست أن ينهار الوطن، بل أن نصدّق أنه انهار»؛ وأقول: نعم يا أسماء، وحريٌّ بكل متأمل أن يطيل التدبر ههنا.
وفي سردك الوازن في صفحات «سجل القلب»، رحت تحددين معالم النصر بقولك: «يشعر المواطن بأنه انتصر، لكونه أدرك أن شطب الاسم لا يمحو المعنى، وأن الاحتلال لا يُلغي الوطن، وأن قيم الانتماء، والحرية، والولاء، ليست مجرد بنود تكميلية في استمارة تعريفية، بل أعمدة أصيلة؛ إذا انهارت سقط الوطن كله، وإن ثبتت صمد الوطن ولو كان بلا سلاح». وأقول: لا فضَّ الله فاك يا أسماء.
أما تساؤلك «من القاتل؟» الذي نقشتِهِ متن رائعتك «سن الغزال» بقولك: «من القاتل؟؛ هل هو ذاك الذي ضغط على الزناد؟ أو الذي برر؟ أو الذي صمت؟ أو الذي اكتفى بالمشاهدة؟»، فأوافقك تمامًا يا أسماء.
وأنهي اقتباساتي مع همسة أصيلة تترجم ما انتهت عليه الحال سواء في الكويت أو في غزة، إذ مهما بالغ المجرم في القتل والدمار والإجرام، يبقى اليقين متمثلًا في تلك الهمسة التي تقول: «أنا لست ما فعلوه بي، إنما أنا ما بقي مني رغم أنوفهم». وأقول بملء جوانحي أن نعم يا أسماء، وهذا ما تهتف به غزة الصمود والإباء.
وأما ختام وقفتي فتتصل ببسمة الوفاء التي نثرتها أخلاقك النبيلة وأنت توثقين مشاعر التقدير، والامتنان، والاعتزاز، من لدن دولة الكويت؛ أميرًا، وحكومة، وشعبًا، للمملكة العربية السعودية؛ ملكًا، وحكومة، وشعبًا، على تلك الوقفة العظيمة المهيبة التي إذا ما تأمل المرء أبعادها لابد له وأن يضع قبضة يمينه على موضع القلب من صدره تحية فخارٍ تفز معها القلوب والأبصار.
من كل قلبي أهنئك أديبتنا الوافية أسماء، ووالله أهنئ بك.
** **
- عضو اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين