أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
يعد النسيج الزمكاني (Space-time Fabric) بنية فيزيوكونية طبيعية المنشأ والمسلك لا يمكن فهمها إلا من خلال استيعاب التركيبة الأبستمولوجية والرياضية لنظرية النسبية الخاصة التي دمج فيها ألبرت إنشتاين عام 1905م بين الأبعاد المكانية الثلاث «الطول والعرض والارتفاع» و «الزمن» كبعد رابع تتشابك فيه الأحداث وتتأثر به كل الأشياء المقيسة زمكانياً. أما مفهوم الحتمية (Determinism) المشار إليه في العنوان فيعد، حسب ويكبيديا، أحد المبادئ الأساسية التي تفضي قوانينها الفيزيوكونية ذات الشروط الابتدائية إلى النتائج نفسها دوماً. فكل ظاهرة في الكون، وفقاً للمرجع السابق، لها سبب محدد، وأن الحالة الراهنة لأي نظام تُحَدِّدُ بشكل كامل حالته المستقبلية شريطة الأخذ في الاعتبار بدقة الشروط الابتدائية للقوانين المعنية بتلك الحالة تحديداً. كما أن معرفة نمط توزيع الكتلة والطاقة يحدد نظرياً في المقابل شكل الزمكان وحركة الأجسام في انحناءات النسيج الزمكاني، وهو بالطبع جوهر الحتمية التي إن تحققت شروطها وانتفت موانعها تعطي النتائج ذاتها دوماً. أما النسبوية (Relativism) التي تضمنها العنوان فتعد مفهوماً أساسياً من مفاهيم نظرية النسبية الخاصة التي أثبتت أن الزمن والحركة والكتلة ليست مطلقة، بل نسبوية السمات تعتمد، رغماً من ثبات القوانين الفيزيائية لجميع المراقبين، على سرعة المراقب وموقعه.
لقد واجه البشر منذ بزوغ فجر فكرهم الإنساني مجموعة من التساؤلات الكونية الشائكة الكؤود التي ظلت تبحث طيلة تلك المدد عن إجابات علمية رصينة للمفاهيم الآنفة الذكر وخاصة ما يتعلق منها تحديداً ببعدي المكان والزمان «النسيج الزمكاني» وعلاقتهما الحميمية بمفهومي الحتمية والنسبوية الآنفتي الذكر. ونتيجة لتطور الوعي المعرفي عبر العصور، استطاع علماء الطبيعة الإجابة خلال القرن الماضي عن بعض تلك التساؤلات التي كان لها أكبر الدور في الكشف عن حتمية السمت لذلك النسيج الزمكاني ونسبوية سماته الفيزيوكونية المنشأ والمسلك. كما كشفت الإجابات عن تلك التساؤلات مصدر النشأة الأولى لذلك النسيج الذي انبثق عن انفجار لحظي مفاجئ عظيم نَجَمَ منذ 13.8 مليار سنة من حالة متناهية الصغر تسمى (المتفردة الكونية (Cosmic Singularity) ذات الكثافة والحرارة العاليتين والتمركز المتناهي للطاقة والمادة. وعقب مليارات السنوات بعد استواء النسيج الزمكاني على الجودي كمتلازمة رافقت أصل الوجود، أكد إنشتاين عام 1915م في نظرية النسبية العامة تَأثر ذلك النسيج بالمادة والطاقة، وانحنائه تحت تأثير الحركة والمجال الثقالي للجاذبية على حد سواء. ونتيجة لذلك لم يعد النسيج الزمكاني حسب تلك النظرية وعاءً يحوي الأحداث فحسب، بل آلية ميكانيزمية فاعلة تمكن المختصين من استمرار الكشف عن دواخل الوجود وبواطنه الحتمية المنشأ والسلوك. كما مكنت تلك الآلية المختصين من تقدير المقامات النسبوية لذلك الوجود، وترتيب تلك المقامات وتحديد مقاديرها، ورصد مسارات المكتوب في الوجود، وتحليل أنماط تلك المسارات وتداعيات أزماتها الوجودية الجسيمة. ونتيجة لتلك الآراء الآنفة الذكر تحوَّلت الحتمية النيوتونية المطلقة، التي هيمنت على التفاسير الفيزيوكونية في القرن السابع عشر الميلادي، من شكلها الميكانيكي الكلاسيكي أو التقليدي إلى شكلها النسيجي الزمكاني الحتمي السمت النسبوي السمات بحيث أصبح لكل حدث كوني نتيجة لذلك موقع محدد في ذلك النسيج.
عند هذه المرحلة المفصلية من الملحمة الفيزيوكونية الآنفة الذكر شهد المزاج العلمي تحولاً معرفياً من الحتم إلى الاحتمال خاصة بعد بزوغ الفكر الكمومي الجسيمي ما تحت الذري الذي صفق له بعض فلاسفة الفيزياء ظناً منهم بأنه المعول الذي تُضرَبُ به الحتمية في مقتل بيد من حديد. لكن المفاجأة الحقيقية كانت أعمق من ذلك، فقد أتضح فيما بعد أن الاحتمالات الكمومية ليست عشوائية ولا فوضوية كما زعم الكموميون، بل هي في حقيقة الأمر أنظمة رياضية دقيقة تخضع تجريبياً لمعادلات حتمية ثابتة. ولعل من أهم الأمثلة على تلك المعادلات معادلة شرودنغر التي تؤكد أن تطور الدالة الموجية لكل جسيم هو أمر حتميٌ تماماً، مما يعني أن النتائج الاحتمالية التي أفرزتها تجارب الكموميين قد لا تكون طبيعية المنشأ، بل عملية ترتبط بمحدودية القياس قيد التحليل ودقته. ولذلك استناداً على معادلة شرودنغر الآنفة الذكر لا يمكن أن تعد الاحتمالات التي أفرزتها تجارب الكموميين إذاً مسوغاً لإنكار القانون الحتمي الذي ربما قد غابت نسبويته الحتمية خلف كواليس الرصد البشري المحدود للجسيمات ما تحت الذرية ومسلكياتها المايكروسكوبية. ومن الجدير بالذكر يعد ألبرت إنشتاين من أشهر المدافعين عن حتمية النسيج الزمكاني النسبوي، بل الرافضين للسمة العشوائية للطبيعة التي نادى بها رواد الفكر الكمومي، مؤكداً أن الله لا يلعب النرد. كما اعتقد إنشتاين أيضاً أن الاحتمالات الكمومية ليست حقيقية، حيث عزا حدوثها إلى الجهل بالمتغيرات الخفية التي تحكم نمط السلوك الحتمي العام للجسيمات ما تحت الذرية. وفي المقابل تعد أعمال هيو إفريت إطاراً تطبيقياً مُهِمًّا يدعم شمولية حتمية الكون أو الدالة الموجية الكلية التي استحوذت على مساحة واسعة من التمحيص في رسالة إفريت للدكتوراه الموسومة بـ»أصول نظرية الكوانتم». فقد عزا إفريت الاحتمالات التي تُرصُدُ في تجارب نظرية الكوانتم إلى تَعَامُلِها تجريبياً مع فرع واحد من فروع الكون معتبراً أن كل فرع من الكون هو بنية حتميَّة المنشأ والمسلك كالأصل الذي تفرعت عنه. فالنظرية الكمومية لا يمكن لها، حسب إفريت، أن تتنبأ بتحلل ذرة بعينها مثلاً ولكنها من الممكن أن تتنبأ بالمقابل بدقة أكبر نسبياً بتحلل مليون ذرة معاً. وهذا يعني أن الحتمية موجودة في هذه الحالة الكمومية ولكنها ليست قابلة للرصد على مستوى الحدث الفردي للذرة كقابليتها للرصد على مستوى النمالعام الكلي من سلوك الجسيمات الذرية. فعشوائية الظواهر الكمومية هي في العمق إذاً ظاهرة إدراكية لا وجودية، أي أنها تعبر حسب العديد من الباحثين عن محدودية الملاحظة الإنسانية لا عن فوضى الوجود ذاته. فالعشوائية في النظرية الكمومية في نهاية المطاف، هي شكل جديد من الحتمية، لكنها حتمية موجية لا جسيمية نتيجة لأن القوانين الفيزيائية لا يمكنها بطبيعة الحال أن تبطل الغموض، بل تحتويه. فتسير الجسيمات في العمق الذري، كما تشير إلى ذلك بعض الدراسات المعاصرة، وفق مقادير محدّدة لا تخرج عنها أبدًا، مما يسوغ حتمية الاحتمالات الكمومية التي تقبع في أعمق مستويات الجسيمات ما تحت الذرية الطبيعية النشأة والسلوك. فلكل ظاهرة ذرية وما تحتها من الجسيمات حدًّا عددياً مقدّرًا يشبه المقادير العددية الحدية لما فوقها من الظواهر الزمكانية الفيزيوكونية الماكروسكوبية الحتمية التكوين والمسار. فمن الانفجار العظيم إلى حركة الإلكترون، ومن تمدّد الكون إلى سقوط الورقة على الأرض كلٌ يسير وفق قانون وجودي حتمي واحد ثابت لا يتبدّل في جوهره، وإن اختلفت صوره ومقاييسه ومقادير تحولاته زمكانياً. فالتغير في الكون لا يعني إذاً بناء على ما سبق خرقًا للقانون الطبيعي الحتمي البنية والسلوك، بل يعني تحوّلًا في تجليات ذلك القانون ومسلكياته المقدرة كماً ونوعاً. واعتماداً على ما سبق يمكن القول إذاً إن التغيُّرات الكونية تشبه تماماً تحولات أمواج البحر الذي يستحيل انفصال أمواجه ديناميكياً عن مائه، أو تشبه أيضاً تشبث الكينونات بوسائطها دون أن تنفلت ظواهرها من نظامها الكوني الكلي. ولذا استناداً إلى ما سبق تعد التغيرات الكونية الآنفة الذكر وما ناظرها من التحولات سنناً تتسق مع طبيعة الكون المخلوق بقدر والمحكوم بنظام يتحرّك على الدوام داخل حتمية لا تعرف الفوضى حتى وإن بدت مسلكيات بعض كينوناته احتمالية التوجه والمسار ضمن أحداث محيطها الحتمي. ولذلك أعتقد أن كل من ينظر إلى الفضاء الكوني وما دونه من الموجودات بعين الفكر سيدرك، كما ذكرت سابقاً في مقالي الموسوم «الزمن بين الحتم واحتمالات الإنتروبي والفكر الكمومي» المنشور في صحيفة الجزيرة بتاريخ 19 نوفمبر 2025، «أن مبدأ الحتمية هو القانون الأوحد الذي يعزف الكون عليه سيمفونية نبضه من أول ذرة بزغت فيه إلى آخر نجم يهوى في غياهب الصمت الأبدي الممتد على حافة العدم». وهذا أمر يؤكد بطبيعة الحال أنلنسيج الزمكاني الفيزيوكوني الحتمي السمت النسبوي السمات الطبيعي النشأة والمسلك لا يمكن إذاً، حسب مقالي الآنف الذكر أعلاه، أن يتحول مساره الحتمي أو يتغير وإن بدت أحداثه أحياناً مزيجاً من الحتم والاحتمال الذي تهتز أوتاره كخط من ضوء يمر على لوح قد كتبت فيه حتمية كل شيء بقلم الإله الأحد الصمد منذ الأزل.