د.عبدالله الفايز
صادف أن كتبت هذا المقال قبل أيام من حدوث الزلزال الذي أصاب دولة مصر ودول شمال شبه الجزيرة وبقوة 5.5 الأسبوع الماضي، وهو مقال لتفسير الاعتقاد الشائع بأن منطقة الرياض لا يمكن أن تتعرض للزلازل، وأنه ليس دقيقًا من الناحية العلمية، لكنه يحتوي على جزء من الحقيقة، لذلك أجريت بحثاً عاماً عن الموضوع، ووجدت أن التقييم الصحيح هو أن الرياض تقع في منطقة ذات خطورة زلزالية منخفضة إلى متوسطة مقارنة بغرب المملكة، لكنها ليست منطقة منعدمة الخطورة، ويتطلب فهم ذلك النظر إلى الجيولوجيا الإقليمية، والصفائح التكتونية، والصدوع الجيولوجية، وليس إلى كون المنطقة صحراوية أو تغطيها الرمال. أولاً، من الناحية الجيولوجية، تقع مدينة الرياض على الرف العربي (Arabian Platform)، وهو الجزء الشرقي المستقر نسبيًا من الصفيحة العربية، ويتكون من صخور رسوبية سميكة تعلو القاعدة البلورية القديمة، أما غرب المملكة فيقع على الدرع العربي (Arabian Shield) الذي يتميز بصخور نارية ومتحولة قديمة ويجاور البحر الأحمر، حيث يتركز النشاط التكتوني، لذلك فإن الرياض أبعد بكثير عن المناطق الأكثر نشاطًا زلزاليًا في المملكة. (USGS)
ويعود النشاط الزلزالي الرئيس في المملكة إلى تباعد الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية على امتداد البحر الأحمر، إضافة إلى الحركة المعقدة على امتداد خليج العقبة والبحر الميت، وكذلك تأثير تصادم الصفيحة العربية مع الصفيحة الأوراسية شمالًا في جبال زاغروس بإيران. هذه الحركات تجعل معظم الزلازل القوية تتركز في غرب وشمال غرب المملكة، وليس في المنطقة الوسطى. (Rawasi)، أما الاعتقاد بأن الرمال تمنع الزلازل فهو غير صحيح علميًا، فالزلازل لا تنشأ من سطح الأرض، وإنما تحدث نتيجة انكسار الصخور على أعماق قد تصل إلى عشرات الكيلومترات داخل القشرة الأرضية. لذلك فإن وجود الكثبان الرملية أو الأراضي الصحراوية لا يمنع حدوث الزلازل ولا يسببها، بل إن طبيعة التربة قد تؤثر في شدة الاهتزازات التي يشعر بها السكان، حيث يمكن للرواسب الرملية أو الرسوبية في بعض الحالات أن تضخم الموجات الزلزالية مقارنة بالصخور الصلبة، وهي ظاهرة معروفة في هندسة الزلازل باسم Site Amplification. وبالتالي فإن الصحراء ليست سببًا لانعدام الزلازل، وإنما العامل الحاسم هو الموقع بالنسبة للصدوع النشطة والحدود التكتونية. (Rawasi) وعلى الرغم من أن الرياض بعيدة عن الأحزمة الزلزالية الرئيسة، فإن هذا لا يعني أنها معزولة تمامًا عن تأثير الزلازل، فالزلازل الكبيرة التي تقع في البحر الأحمر أو خليج العقبة أو جنوب إيران قد تُشعر بها أحيانًا مناطق واسعة من المملكة، بما فيها الرياض، وإن كانت عادة دون أضرار إنشائية كبيرة بسبب المسافة الطويلة التي تضعف الطاقة الزلزالية أثناء انتقالها، كما أن بعض الصدوع القديمة داخل الصفيحة العربية قد يعاد تنشيطها نتيجة الإجهادات التكتونية الإقليمية، وهو ما يعرف في الجيولوجيا بـ الزلازل داخل الصفائح (Intraplate Earthquakes)، إلا أن هذا النوع من النشاط أقل تكرارًا وأصغر حجمًا من الزلازل الواقعة على حدود الصفائح. (Rawasi)
ومن الناحية الهندسية، فإن انخفاض الخطورة الزلزالية لا يعني إهمالها، فجميع المشاريع الكبرى، وخاصة الأبراج العالية، والمستشفيات، والمطارات، والسدود، ومحطات الطاقة، والمترو، والأنفاق، تخضع عادة لدراسات جيولوجية وجيوتقنية وزلزالية تحدد طبيعة التربة والتسارع الأرضي المتوقع ومعايير التصميم المناسبة. لذلك فإن التصميم المقاوم للزلازل يعتمد على احتمال الخطر وليس على حدوث زلزال سابق في الموقع، كما أن هيئة المساحة الجيولوجية السعودية تشغل شبكة وطنية للرصد الزلزالي وتصدر خرائط للمخاطر الجيولوجية والنشاط الزلزالي في مختلف مناطق المملكة. (Rawasi) وإذا قورنت الرياض بمدن مثل جدة أو تبوك أو العلا أو ينبع، فإن مستوى الخطورة الزلزالية فيها أقل بشكل واضح، لكنها ليست صفراً. أما مقارنة بمدن تقع على حدود صفائح نشطة مثل طوكيو أو إسطنبول أو لوس أنجلوس، فإن الرياض تعد من المدن منخفضة الخطورة نسبيًا، ومع ذلك، فإن توسع المدينة وازدياد كثافة الأبراج والبنية التحتية الحيوية يستدعي استمرار تحديث خرائط المخاطر الزلزالية وإجراء دراسات التقسيم الزلزالي الدقيق (Seismic Microzonation) وحسابات انشائية لهيكل المبنى لتجنب الزلازل ، خاصة مع مشاريع المدن الذكية والبنية التحتية الرقمية التي تتطلب مستويات عالية من المرونة والاستمرارية.
القول: إن الرياض «لا تتعرض للزلازل» غير صحيح علميًا، كما أن ربط ذلك بكونها منطقة صحراوية أو رملية ليس له أساس جيولوجي.
الأدق هو أن الرياض تقع على جزء مستقر نسبيًا من الصفيحة العربية بعيد عن الحدود التكتونية النشطة، ولذلك فإن احتمال وقوع زلازل مدمرة فيها منخفض مقارنة بغرب المملكة، لكنه ليس معدومًا، وقد تتأثر المدينة بهزات بعيدة أو بزلازل داخل الصفائح، مما يجعل الأخذ في الاعتبار بالتصميم الزلزالي والرصد المستمر جزءًا من التخطيط الحضري والهندسي السليم.