د. سالم بن محمد آل جفشر
في ظل التحولات التاريخية التي تقودها رؤية السعودية 2030 لم يعد الإنسان السعودي مجرد مستفيد من التنمية، بل أصبح محور ارتكازها وصانع تحولها الحقيقي وواجهة حضورها أمام العالم، فقد أعادت الرؤية تعريف دور المواطن ليكون شريكاً فاعلاً في بناء المستقبل وجعلت من تمكينه أساساً لنهضة الدولة الحديثة وصياغة صورتها الذهنية محلياً ودولياً.
وفي هذا السياق لم يعد الموظف السعودي في الصفوف الأمامية مجرد منفذ للخدمة، بل تحول إلى امتداد مباشر لسمعة الوطن وسفير لقيمه ومؤشر حي على عمق التحول الذي تعيشه المملكة في كفاءة الأداء وجودة التجربة الإنسانية فكل تفاعل يومي بين الموظف والمستفيد أصبح جزءاً من بناء الصورة الذهنية للمؤسسات، بل للوطن بأكمله.
إن اللحظة التي يبتسم فيها موظف أو يحتوي فيها موقفاً صعباً أو يحول فيها تجربة سلبية إلى رضا هي في حقيقتها ترجمة عملية لمستهدفات الرؤية في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح فكل تفاعل إنساني ناجح هو لبنة في بناء السمعة المؤسسية وكل تجربة إيجابية مع موظف سعودي هي رسالة ثقة جديدة في كفاءة الإنسان السعودي وقدرته على التميز.
ومن هنا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن فقط في الأنظمة والتقنيات، بل في الإنسان الذي يطبقها ويجسدها أمام الجمهور، فتمكين الموظف وتدريبه ومنحه الثقة والصلاحيات هو ما يحول المؤسسات من كيانات خدمية إلى نماذج مؤثرة في تشكيل الانطباع العام عن الوطن ويجعل من الخدمة تجربة إنسانية متكاملة لا مجرد إجراء إداري.
كما أن جودة الاتصال المؤسسي اليوم لم تعد تُقاس بما يعلن في الإعلام فقط، بل بما يعاش في الميدان في لحظة استقبال وفي أسلوب تعامل وفي طريقة حل مشكلة وهنا يظهر الموظف السعودي بوصفه العنصر الأكثر تأثيراً في بناء الثقة بين المؤسسة وجمهورها لأنه يمثِّل الحقيقة اليومية للمنظمة وليس صورتها النظرية.
لقد أثبتت التجربة السعودية في السنوات الأخيرة أن الكفاءات الوطنية قادرة على إحداث فرق حقيقي في جودة الخدمة ورفع مستوى الرضا العام وأن حضور الموظف السعودي في مواقع الصفوف الأمامية لم يعد حضوراً شكلياً، بل أصبح حضوراً جوهرياً يعكس نضج المنظومة الإدارية وتطور بيئة العمل.
وفي المقابل فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات اليوم لا يقتصر على استقطاب الكفاءات الوطنية، بل يمتد إلى بناء بيئة عمل محفزة قادرة على استدامة هذا التميّز من خلال التدريب المستمر وتطوير المهارات وتعزيز ثقافة خدمة المستفيد وربط الأداء الفردي بالسمعة المؤسسية.
كما أن التحول الرقمي الذي تشهده المملكة لم يقلِّل من أهمية الموظف، بل زاد من حساسية دوره لأن التقنية مهما تطورت تبقى بحاجة إلى إنسان يفسرها ويطبقها ويتعامل مع استثناءاتها ويمنحها البعد الإنساني الذي لا يمكن للأنظمة أن توفره وحدها.
ومن هنا يصبح الموظف السعودي في الصفوف الأمامية نقطة الالتقاء بين التقنية والإنسان وبين النظام والمرونة وبين الإجراءات الرسمية والتجربة الإنسانية وهو ما يجعل دوره محورياً في نجاح أي مؤسسة.
ومن واقع تخصصي وخبرتي الإدارية والأكاديمية في الإعلام والاتصال المؤسسي أؤمن بأن الموظف الذي يتعامل مباشرة مع الجمهور ليس مجرد منفذ للخدمة، بل هو الواجهة الحقيقية للمنظمة وأحد أهم صنَّاع صورتها الذهنية وسمعتها المؤسسية.
وقد دفعني إلى كتابة هذا المقال موقف شاهدته بنفسي في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وكان بطله أحد الموظفين السعوديين المتميزين في الخطوط السعودية.
كان أحد المسافرين يتحدث مع الموظف بصوت مرتفع وبأسلوب يفتقر إلى اللباقة ويردد بحدة أنتم هنا في خدمتنا واستمر في مخاطبته بطريقة غير لائقة حتى توقَّعت أن يرد الموظف بانفعال أو يدخل معه في جدال يزيد الموقف تعقيداً.
لكن الموظف ابتسم بكل هدوء وأدب وقال للمسافر أبشر يا عم ومن عيوني وأنت تأمر أمر ولا يهمك وكلنا في خدمتك.
كانت كلمات محدودة لكنها أحدثت تحولاً واضحاً؛ فقد هدأ المسافر وتغيَّرت نبرة حديثه وأدرك حجم التجاوز الذي صدر منه ثم عاد بعد انتهاء الخدمة واعتذر للموظف عن أسلوبه.
تكشف هذه الحادثة أن الموظف المحترف يستطيع بمهارات بسيطة ومدروسة أن يخفض التوتر ويمنع تصاعد الخلاف ويحافظ على كرامة المستفيد ويصون في الوقت نفسه مكانته المهنية وصورة الجهة التي يمثِّلها.
ولم يقتصر أثر هذا السلوك على المسافر وحده، بل امتد إلى كل من شاهد الموقف لأن الجمهور لا يبني أحكامه عن المنظمة من خلال الإعلانات فقط، بل من خلال التجارب المباشرة التي يمر بها أو يراها أمامه.
ومن هنا يستحق ذلك الموظف التقدير على صبره واتزانه وحسن تعامله كما تستحق الخطوط السعودية الإشادة بما تقدمه من تدريب وتأهيل للعاملين في مواقع الخدمة والتعامل المباشر مع المسافرين.
فالسلوك المهني المتزن لا ينشأ بصورة عفوية، بل يقف خلفه تدريب مستمر وثقافة تنظيمية واضحة وقيادة تدرك أن الموظف الموجود في الواجهة أحد أهم الأصول المؤثِّرة في جودة الخدمة وسمعة المؤسسة.
وهنا تتجلَّى القيمة الحقيقية للاتصال المؤسسي بوصفه منظومة شاملة لا تقتصر على البيانات الصحفية أو الحملات الإعلامية أو الحسابات الرسمية، بل تشمل جميع نقاط الاتصال التي تجمع المنظمة بجمهورها.
يبدأ الاتصال المؤسسي من طريقة استقبال المستفيد ومن جودة الإنصات إليه ومن اللغة المستخدمة معه ومن سرعة معالجة احتياجه وينتهي بالأثر الذي يحمله معه بعد مغادرته موقع الخدمة.
ولهذا فإن كل موظف يتعامل مع الجمهور يمارس دوراً اتصالياً لأن السمعة المؤسسية لا تبنى بالخطاب وحده، بل تتشكَّل من مجموع الخبرات والمواقف التي يمر بها الجمهور مع المنظمة.
وتعد وظائف الصفوف الأمامية من أكثر الوظائف حساسية لأنها تتطلب التعامل مع أنماط مختلفة من البشر ومع حالات من الاستعجال والتوتر والغضب وأحياناً مع انتقادات لا يكون الموظف مسؤولاً عنها بشكل مباشر.
ومع ذلك يطلب من الموظف أن يحافظ على هدوئه وأن يطبِّق الأنظمة وأن يبحث عن الحل وأن يمثِّل منظمته بصورة مهنية توازن بين احترام المستفيد وحماية الإجراءات والحقوق.
وهذه المسؤولية تحتاج إلى الصبر والذكاء الاجتماعي والمرونة وسرعة البديهة والقدرة على إدارة الانفعال واحتواء المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.
وقد أثبت الشباب السعودي من الرجال والنساء قدرتهم على النجاح في هذه الوظائف وأصبح حضور الكفاءات الوطنية واضحاً في المطارات والمستشفيات والفنادق والبنوك وشركات الاتصالات وقطاعات السياحة والضيافة والخدمات.
فالمسافر يرى الشباب والشابات السعوديين في إجراءات السفر والخدمات الأرضية وبوابات الصعود وداخل الطائرة، كما تعمل كفاءات وطنية أخرى في الصيانة والهندسة والتخطيط والتشغيل وإدارة الرحلات والجودة.
إن هذا الحضور يعزِّز الثقة بقدرات أبناء الوطن ويقدِّم للزائر صورة واقعية عن المملكة التي تستثمر في إنسانها وتفتح أمامه مجالات العمل والتخصص والقيادة.
ولهذا لا يمكن فصل الاتصال المؤسسي عن إدارة الموارد البشرية ولا عن التدريب ولا عن تجربة الموظف داخل المنظمة.
فالموظف الذي يشعر بالتقدير ويفهم رسالة منظمته ويحصل على التدريب والدعم والصلاحيات المناسبة يكون أكثر قدرةً على بناء تجربة إيجابية للمستفيد.
ولا يمكن أن نطالب الموظف بأن يقدِّم أفضل صورة للمنظمة بينما لا يجد بيئة داخلية تستمع إليه أو قيادة تدعمه أو أنظمة تمنحه القدرة على معالجة المشكلات بمرونة ومسؤولية.
إن بناء السمعة يبدأ من الداخل؛ لأن جودة الاتصال الداخلي تنعكس مباشرة على جودة التواصل الخارجي وعلى أداء الموظفين في نقاط الخدمة.
وما نشهده اليوم من حضور متزايد للشباب السعودي في سوق العمل هو امتداد لمشروع وطني وضع تنمية الإنسان في صميم عملية التطوير.
فقد جاء برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ليؤكد أن تطوير الجهات يرتبط برفع كفاءة الإنسان وتحسين بيئة العمل وبناء قيادات قادرة على تحمّل المسؤولية.
ثم جاءت رؤية السعودية 2030 بقيادة سمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- لتمنح تمكين المواطن بعداً أوسع وتنقل السعودة من مجرد نسب وظيفية إلى مشروع وطني لبناء القدرات وصناعة الكفاءات والقيادات.
ويمثِّل برنامج تنمية القدرات البشرية أحد أهم برامج الرؤية التي تستهدف تطوير مهارات المواطن ومواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل وتعزيز جاهزيته لوظائف الحاضر والمستقبل.
لكن استدامة هذا النجاح تتطلب أن تنظر الشركات إلى السعودة بوصفها استثماراً إستراتيجياً في استقرارها وجودة خدماتها وسمعتها ومستقبلها لا بوصفها متطلباً نظامياً يكتمل بمجرد الوصول إلى نسبة محددة.
السعودة الحقيقية لا تعني تعيين الشاب السعودي في وظيفة محدودة ثم إبقاءه سنوات دون تطوير أو ترقية، بل تعني استقطابه وتأهيله وتمكينه ومنحه مساراً واضحاً للانتقال من المواقع التشغيلية إلى المواقع الإشرافية والقيادية.
نريد أن نرى السعودي في خدمة العملاء، ونريده كذلك مشرفاً على تجربة المستفيد، ومديراً للتشغيل، وخبيراً في الجودة، وقائداً للاتصال المؤسسي، ومشاركاً في صنع القرار.
ومن هنا يجب ألا يقاس نجاح السعودة بعدد من تم توظيفهم فقط، بل بعدد من تم تدريبهم وتمكينهم وترقيتهم، وبعدد القيادات الوطنية التي أسهمت المنظمة في صناعتها.
وفي زمن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تجربة العميل تنتهي عند مغادرته موقع الخدمة؛ لأن موقفاً إيجابياً قد يتحول إلى إشادة واسعة، كما قد تتحول تجربة سلبية إلى أزمة تضر بصورة المؤسسة.
ومن المهم أن تدرج المنظمات أداء موظفي الصفوف الأمامية ضمن مؤشرات السمعة المؤسسية وأن ترصد النماذج المتميزة وتكافئ أصحابها وتحول المواقف الناجحة إلى حالات تدريبية يُستفاد منها في تطوير الأداء.
فالمواقف اليومية التي تبدو عابرة قد تكون في علم الاتصال لحظات حاسمة تتشكَّل خلالها أحكام الجمهور وتختبر فيها صدقية القيم التي تعلنها المنظمة.
وفي الموقف الذي شهدته لم ينجح موظف في إنهاء خدمة مسافر فحسب، بل نجحت منظمة في اختبار مهني حقيقي أمام جمهورها.
وهكذا يصبح الموظف السعودي في الواجهة ليس مجرد واجهة للمنظمة، بل مرآة لقيم الوطن وصوته الإنساني في العالم وبحضوره الواعي تتجلَّى صورة السعودية الجديدة وتروى حكاية نجاحها بثقة واحتراف.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان