عايد بن حمود المغيري
حياة كل إنسان مليئة بالمواقف؛ منها الإيجابي ومنها السلبي، ومنها ما يكون عاماً أو خاصاً، ظاهراً أو خفياً، صادراً منه أو وارداً إليه. وقلَّما ينسى الإنسان موقفاً أُحسن إليه فيه، أو موقفاً انكسر فيه قلبه.
إن موقفاً إيجابياً واحداً قد يبني علاقة تمتد لعشرات السنين، كما أن موقفاً سلبياً واحداً قد يهدم علاقة بُنيت على مدى أعوام طويلة.
وقد يكون الموقف فعلاً، أو ردَّ فعل، أو كلمة، أو نظرة، أو إيحاءً، أو تأييداً، أو معارضةً؛ بل قد يكون صمتاً في موضعٍ كان الواجب فيه الكلام، أو غياباً حين كان الحضور واجباً.
ولذلك حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاستهانة بأي معروف، مهما بدا صغيراً، فقال: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق». فكم من كلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو موقف يسير، ترك في القلوب أثراً لا يُنسى.
وقد تكون بين شخصين عداوة أو بغضاء أو قطيعة، ثم يسجل أحدهما للآخر موقفاً كريماً في وقتٍ كان المتوقع فيه موقفاً سيئاً، فتذوب الضغائن، وتنقلب العداوة إلى مودة، والبغضاء إلى محبة، مصداقاً لقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. وفي المقابل، قد يُسجَّل موقف سلبي في وقتٍ كان المنتظر فيه موقفاً إيجابياً.
وقد يُحجم المرء عن مدِّ يد العون -أيّاً كان نوعه- إلى محتاجٍ مع القدرة على ذلك، أو يُظهر اللامبالاة، أو يتجاهل مشاعر الآخرين، أو يسخر من أقوالهم، أو أفعالهم، أو هيئاتهم، وهذه التصرفات تُحدث ألماً يبقى في القلب سنين طويلة.
وعندما يلجأ إنسان عزيز النفس إلى من يظن أن له عنده منزلةً ومكانة، ثم لا يجد منه إلا الخذلان، فإنه في الغالب لا يعود إليه مرة أخرى، ولو كان في أمسِّ الحاجة إليه؛ لأن الصورة الأولى الجميلة قد انكسرت، ولن تعود كما كانت.
وقد يصيب العلاقة بعد الموقف السلبي فتور، أو تنقطع تماماً، وربما تعود بعد انقطاعها، لكنها وإن عادت فلن تكون كما كانت؛ لأن شيئاً في الداخل قد انكسر، وبعض الكسور لا تجبرها الأيام.
إن موقفاً سلبياً واحداً قد لا يُلقى له بال مع طفل صغير، يبقى عالقاً في ذاكرته مهما طال الزمن، وربما أورثه ألماً أو عقدةً تلازمه طوال حياته.
وفي المقابل، قد تكون كلمة تشجيع، أو ابتسامة حانية، أو احتضان صادق، سبباً في بناء شخصية واثقة، ونفس مطمئنة، ومستقبل مشرق. فكم من إنسان تغيَّر مسار حياته بسبب كلمة رفعت همته، وكم من آخر انطفأت عزيمته بسبب كلمة قاسية.
وربما يكون الموقف عندك لا يعدو كونه موقفاً عابراً، لكنه عند غيرك يعد نقطة تحول لا ينساها ما بقي من عمره.
ومن الشواهد التاريخية على ذلك قصة ألفريد نوبل؛ فقد نشرت إحدى الصحف ذات يوم خبر وفاته بالخطأ، ووصفته بأنه «تاجر الموت»؛ لكونه مخترع الديناميت. صدمته هذه التسمية، وآلمه أن يكون هذا هو الأثر الذي سيبقى في ذاكرة البشرية عنه، فقرر في تلك اللحظة أن يصنع موقفاً يغيِّر به دفة التاريخ، فغيَّر وصيته، وخصص معظم ثروته لإنشاء جائزة نوبل؛ ليُذكر في الذاكرة الإنسانية بما ينفع البشر، لا بما يضرهم.
ومن الناس من يبالغ في ردود أفعاله تجاه المواقف؛ فإن كان الموقف إيجابياً بالغ في المدح والثناء، ووصفه بأنه عمل استثنائي، مع أنه لا يتجاوز خُلقاً كريماً اعتاد أهل المروءة القيام به.
وإن كان الموقف سلبياً عارضاً وقع بغير قصد، بالغ في تضخيمه، مع أنه كان بالإمكان تجاوزه بالعفو وحسن الظن، وربما خسر بسبب ذلك التشنج علاقة طيبة كان يمكن أن تستمر وتزدهر.
ومن الأمثلة على المواقف الإيجابية التي حفظها التاريخ موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عندما أخبره الناس بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من أنه أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء، فقال: «إن كان قالها فقد صدق». إنها كلمات يسيرة، ثبَّت الله بها المؤمنين، وأخزى بها الكافرين.
ومن المواقف الإيجابية في لحظات الفرح ما حدَّث به كعب بن مالك رضي الله عنه عندما تاب الله عليه، فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فعانقه وهنأه بقبول التوبة. قال كعب رضي الله عنه: «والله لا أنساها لطلحة». إنه موقف قد يراه الناس بسيطاً، لكنه كان عند كعب عظيماً.
ومن المواقف الإيجابية في لحظات الحزن والمصيبة موقف إحدى الصحابيات الأنصاريات رضي الله عنها مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك؛ فقد جاءت، وبكت معها، وشاركتها همها وحزنها. فقالت عائشة رضي الله عنها: «والله لا أنساها لها». فالمواساة الصادقة أبلغ من الخُطب؛ لأن القلب المكسور يبحث عمن يشعر بألمه.
والأمثلة على المواقف السلبية كثيرة، ولكننا لن نُورد شيئاً منها ؛ لأن الهدف من هذا المقال هو الحث على الإيجابية وبذل المعروف.
إن المواقف الإيجابية تسعد النفس، وتبهج الخاطر، وتترك أثراً طيباً وذكرى جميلة في قلب من نالها، أما المواقف السلبية فتترك ندوباً وجروحاً في النفس، ويشتد الألم حين يأتي الخذلان ممن كان موضع الأمل والرجاء.
كن إيجابياً بقلبك، وبمشاعرك، وبإحساسك، وبحضورك، وبكلماتك، وبابتسامتك، وحتى بوداعك، فقد تكون سبباً في إحياء أمل، أو جبر خاطر، أو إزالة همّ، ولا تكن سبباً في ألم أحد.
فمشاعر الإنسان وترٌ حساس، قد يعزف عليه أحدهم ألحان الحزن والأسى، وقد يعزف عليه آخر أنغام الفرح والبهجة.