فاطمة بنت يحي عدوان
في دائرة الحياة يواجه الفرد مواقف وأمورا تتطلب منه ردة فعل؛ هل أنت الشخص الذي يتجاهل الموقف أو يبقى بداخله لوقت قد لا يتخطاه أو حتى يتلاشى؟ أعلم أنك حين تقرأ ما بين السطور تستشعر أنّك الشخص المستثنى، بينما الواقع أن كل فرد يمرّ بمرحلة مثلك ربما تعايش معها أو ما زال في صراع بينها.
لذلك تتطلب منك المواقف أياً كانت أن تكون فرداً سويًّا تجاهها، ومعنى أن تكون سويًّا هو أن تكون الشخص الذي يمتلك علاقة صحية مع نفسه أولاً ومع الآخرين والواقع الذي يعيشه، أن تمتلك عقلية الوفرة والشعور الداخلي بأنه لا يوجد شيء في الحياة مكتملا، وأنه بالرغم من ذلك لديك موارد داخلية وخارجية للتعايش مع هذا النقص، أن تعرف نفسك جيداً وأنك تمتلك نقاط ضعف وقوة تدرك أثرها.
يصف القرآن النفس بأنّ لديها رغبات وهوى وضعف ولكنّ الإنسان السويّ لديه القوة على التزكية والتقويم، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). فيعدلها عما هي عليه ويتبنى سلوكيات تسهم في ردعه عن هوى نفسه؛ كالانشغال بما يعود عليه بالنفع واستثمار وقته وما يمتلكه بشكل صحيح واستشعار النعم التي حوله وشكر الله عليها.
ويصف كارل روجرز الإنسان المتوافق مع ذاته والإيجابي والمرن في نظرية العلاج المتمركز حول الشخص بأنه لا يخلو من التناقضات لكنه يستطيع فهم ذاته وتنظيم انفعالاته والتعايش مع واقعه باختيار السلوك الواعي بدل الانقياد خلف الانفعالات والدوافع.
معنى أن تكون سويًّا أن تتعافى من ردود الفعل، وأن تنتقل من الخوف إلى الوعي، ومن التعلق إلى الأمان الداخلي، ومن إسقاط الماضي على الحاضر إلى تقبل الواقع كما هو. وأن تتجاوز الماضي، فتخوض تجارب جديدة دون أن تجعلها تدفع ثمن تجربة قديمة، وأن تفهم ما حدث دون أن تبقى أسيرًا لتفسيره، وأن يكون الماضي جزءًا من القصة، لا مديرًا للحاضر.
لا تبتذل اللطف وتحوله لسلوك قهري مؤلم في ذات الشخص الذي يرى أن سلوكه فضيلة لها معنى، فليس كل من يبتسم بخير، ولا كل من يوافق راضٍ. أحيانًا يكون الإفراط في اللطف محاولة لتجنب الرفض أو النقد أو الصدام، فيقمع الإنسان مشاعره حفاظًا على صورة مثالية عن نفسه أو خوفًا من فقدان قبول الآخرين. والسويّ لا يبتذل اللطف ولا يتخلى عنه، بل يضعه في موضعه الصحيح؛ فيكون رحيمًا دون أن يهمل نفسه، وصادقًا دون قسوة.
واترك التعالي، فهو لا يولد من القوة كما يظن البعض، بل كثيرًا ما ينشأ من الخوف؛ الخوف من النقد، أو الرفض، أو الاعتراف بالنقص. فيتشبث الإنسان بصورة مثالية عن نفسه، ويصبح الدفاع عنها أهم من تطويرها، فيرفض الاعتذار، ويصعب عليه التعلم، ويقيس قيمته بمقارنته بالآخرين. بينما السويّ يدرك أن قيمته لا تحتاج إلى إثبات، وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص منه، لذلك يستبدل الحاجة إلى أن يكون الأفضل بالرغبة في أن يكون الأصدق مع نفسه، والأكثر نفعًا لمن حوله. ولعل أول معصية عُصي الله بها كانت ثمرة التعالي، حين قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) فلم يكن الإشكال في أصل العبادة، بل في الكبر الذي حال بينه وبين التسليم للحق.
معنى أن تكون سويًّا أن تتوقع السلوك غير السوي، سواء صدر من شخص متلاعب، أو غير مسؤول، أو ممن يكرر الأذى. وعندها لا بد أن يصدر تصرفك من قرار واعٍ، وأن تختلف مع الآخرين دون أن تمس جذور الاحترام، وأن تقيم حدودك، وتعرف متى تقول: «لا» دون شعور بالذنب، مع احترام حدود الآخرين.
ختاماً، عليك أن تتبنى فنيات الإغلاق النفسي؛ وذلك بأن تنهي أثر أي شعور، أو رد فعل ذهني، أو فكرة عالقة تجاه موقف أو حدث مررت به، فلا تتركها عبئًا يستقر في داخلك. وأن تتقبل ما حدث دون مقاومة أو رفض، وتحاول استيعاب الدرس والمعنى، حتى وإن لم تكن هناك إجابة واضحة، وأن تعبّر عن مشاعر حزنك وغضبك ورفضك بدلًا من كبتها. وبعيدًا عن التنظير، فإن سؤالًا بسيطًا مثل: «في خاطرك شيء؟» قد يفتح بابًا للحوار، ويسهم في إغلاق ملفات من التراكمات الداخلية، وفهم الاحتياجات، واستيعاب الواقع، واستعادة الاتزان.
فالشخص الذي تبقى في داخله بقايا المواقف لا يستطيع أن يتعايش بسلام، ولا أن يكون سويًّا متزنًا يستثمر طاقته في أهدافه وتجاربه الجديدة. لذلك، فإن السوي هو من يصنع من نهاياته بدايات جديدة، بدايات كفيلةً بجعله شخصا قادرا على البقاء في هذه الحياة. فيجعل الماضي جزءًا من حكايته، لا القائد الذي يوجّه حاضره.