عبد العزيز الموسى
ليست الأزمات أحداثًا تتعاقب فحسب، بل هي نتائج تتكاثر؛ فالمصيبة لا تستدعي غيرها لأنها مصيبة، وإنما لأنها تعيد تشكيل الواقع الذي تقع فيه، فتفتح أبوابًا جديدة لم تكن ظاهرة في بدايتها. وما يبدو في ظاهره حادثة منفصلة، ليس في حقيقته إلا حلقة في سلسلة طويلة من الأسباب والنتائج، تتداخل فيها الوقائع حتى يصبح الماضي حاضرًا في المستقبل، ويغدو المستقبل كامنًا في الحاضر.
ولهذا، فإن التاريخ لا يُقرأ بوصفه سجلًا للأحداث المتجاورة، بل بوصفه سجلًا للمآلات؛ فالأسباب تتحول إلى نتائج، ثم تصبح النتائج بدورها أسبابًا جديدة، في دورة مستمرة لا تنقطع إلا حين يمتلك الإنسان القدرة على قراءة العواقب قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.
ومن هنا فإن أخطر ما يواجه الأفراد والأمم ليس وقوع المصيبة ذاتها، وإنما ما تتركه وراءها من آثار. فكثير من الكوارث لم تبدأ إلا بخطأ صغير، أو قرار متعجل، أو خلل محدود أُهمل في بدايته، ثم تُرك لينمو ويتراكم، حتى أصبح أزمة كبرى يصعب احتواؤها. وما نسميه اليوم «الأزمات المركبة» ليس إلا نتيجة لتفاعل أزمات متعددة، غذّى بعضها بعضًا، حتى اختلط السبب بالنتيجة.
وهذه الحقيقة ليست وليدة عصر معين، ولا خاصة بثقافة دون أخرى؛ فقد عرفتها الحضارات الإنسانية المختلفة، وصاغتها في حكمها وأمثالها وآدابها. ومن أشهر التعبيرات عنها المقولة المنسوبة إلى وليام شكسبير: «المصائب لا تأتي فرادى»، وهي عبارة اكتسبت حضورها لأنها عبّرت ببلاغة عن خبرة بشرية متكررة، لا لأنها كشفت قانونًا مجهولًا.
فالإنسان عبر التاريخ أدرك أن الشدائد لا تأتي دائمًا منفصلة، وأن الأزمة الواحدة قد تفتح الطريق لأزمات أخرى، حتى يبدو المشهد وكأن المصائب قد اجتمعت في وقت واحد، بينما الحقيقة أنها كانت تتشكل تدريجيًا في مسار طويل من التراكمات.
أما التراث العربي والإسلامي، فقد عرف هذا المعنى قبل شكسبير بقرون، لكنه لم يقف عند حدود الوصف الأدبي، بل تجاوزه إلى بناء رؤية أعمق لفهم الأزمات وإدارة آثارها.
فالإمام الشافعي، وهو يتأمل طبيعة الحياة وتقلباتها، قال:
محنُ الزمانِ كثيرةٌ لا تنقضي
وسرورُه يأتيكَ كالأعيادِ
ولم يكن الشافعي يدعو إلى التشاؤم، وإنما كان يقرر سنة من سنن الحياة؛ وهي أن الدنيا ليست دار استقرار دائم، وأن الابتلاء جزء من طبيعتها، وأن الفرح وإن حضر فإنه لا يمثل الحالة الدائمة. ولذلك شبّه السرور بالأعياد؛ لأنها تأتي وتُفرح، لكنها لا تقيم.
وفي السياق نفسه قال أبو العتاهية:
تأتي المكارهُ حين تأتي جملةً
وأرى السرورَ يجيءُ في الفلتاتِ
وهذه المعاني لا تعني أن القدر يجمع المصائب عبثًا، وإنما تشير إلى حقيقة أعمق؛ وهي أن المصيبة حين تقع قد تطلق سلسلة من الآثار المتتابعة. فالمرض قد يقود إلى العجز، والعجز قد يقود إلى الفقر، والفقر قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، حتى تبدو المحن وكأنها جاءت دفعة واحدة، بينما هي في حقيقتها حلقات متصلة.
غير أن الأدب، مهما بلغ من البلاغة، يصف الظاهرة أكثر مما يفسرها. أما الفكر العميق فيسأل: لماذا تتكاثر الأزمات؟ وكيف يمكن منع الأزمة الأولى من أن تتحول إلى سلسلة من الأزمات؟
وهنا تظهر خصوصية الفكر الإسلامي؛ إذ لم يكتفِ بتسجيل التجربة الإنسانية، بل أسس منهجًا يقوم على النظر في العواقب قبل الإقدام على الأفعال، وعلى وزن القرارات بما تتركه من آثار، لا بما تبدو عليه في لحظتها الأولى.
فالمآلات ليست تنبؤًا بالغيب، وإنما هي قراءة للسنن التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع؛ فالقرار لا ينتهي عند لحظة اتخاذه، بل يبدأ بعدها مسار من النتائج قد يكون أبعد أثرًا من الفعل نفسه. ولهذا كان العقل الراشد هو الذي لا يرى الحاضر وحده، بل يستحضر المستقبل في كل خطوة.
وقد وضع الإسلام أصل هذا المنهج حين ربط بين الفعل ونتيجته، فجاء النهي في القرآن الكريم عن سب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله، وكذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسب الرجل والديه بأن يسب والدي أحد فيسب والديه. فالنهي لم يتعلق بالفعل مجردًا، وإنما بالمآل الذي قد يؤدي إليه؛ إذ قد يكون الفعل في ذاته مفهومًا أو مشروعًا، لكنه يصبح مرفوضًا إذا أفضى إلى مفسدة أعظم. وهنا ينتقل التفكير من ظاهر العمل إلى أثره، ومن اللحظة الراهنة إلى ما بعدها. وأكدت السنة النبوية هذا الأصل حين ترك النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ مراعاةً لحال قوم حديثي عهد بالجاهلية، وخشية أن يؤدي ذلك إلى اضطراب أعظم من المصلحة المرجوة. فكان النظر إلى المآل مقدمًا على تحقيق الأمر في صورته المجردة.
فلم يكن ترك الأمر لعجز أو تردد، وإنما كان نظرًا في المآل؛ إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحقيق مصلحة عمرانية عظيمة قد يؤدي في ذلك الظرف إلى اضطراب في نفوس حديثي العهد بالإسلام، فقدم سلامة المجتمع واستقرار الإيمان على تحقيق أمر مشروع في ذاته.
ومن هنا جاء الإمام الشاطبي ليمنح هذا المعنى بناءً علميًا متماسكًا، حين جعل اعتبار المآلات أصلًا من أصول الاجتهاد. فلم يعد السؤال عنده: هل الفعل مشروع في ذاته فقط؟ بل أصبح: إلى ماذا سيؤول هذا الفعل؟ وما أثره في الواقع والناس؟
وبذلك انتقل التفكير من النظر إلى الفعل في صورته الأولى إلى النظر في مساره الكامل، فأصبح الحكم على الأشياء مرتبطًا بآثارها ونتائجها، لا بمجرد بداياتها. ولهذا لم يكن فقه المآلات بابًا فقهيًا محدودًا، بل منهجًا في التفكير وإدارة الحياة، يعلم الإنسان أن القرار الناجح ليس ما يبدو صحيحًا في لحظته فقط، بل ما تبقى سلامة نتائجه بعد مرور الزمن.
وإذا كان الشاطبي قد جعل اعتبار المآلات أصلًا في الاجتهاد الفقهي، فإن هذا الأصل لا يقتصر على الفقه وحده، بل يمتد إلى فهم حركة التاريخ والعمران الإنساني؛ فالسنن التي تحكم الأفعال الفردية هي ذاتها التي تحكم مسار الأمم، وإن اختلفت دوائرها واتسعت آثارها.
ومن هنا يلتقي الشاطبي مع عبد الرحمن بن خلدون صاحب «المقدمة»، وإن اختلف المجال الذي نظر منه كل واحد منهما. فالشاطبي قرأ مآلات الأفعال والأحكام، أما ابن خلدون فقرأ مآلات العمران والدول. لكن كليهما انطلق من حقيقة واحدة؛ وهي أن النهايات لا تنفصل عن البدايات، وأن النتائج الكبرى غالبًا ما تكون كامنة في مقدماتها الأولى.
ولهذا لم يكن ابن خلدون يبحث عن لحظة سقوط الدول بقدر ما كان يبحث عن المسار الذي يجعل سقوطها ممكنًا. فانهيار الحضارات لا يبدو مفاجئًا إلا لمن ينظر إلى التاريخ بعين اللحظة. أما من يقرأه بعين السنن والمآلات، فإنه يدرك أن الانهيارات الكبرى تبدأ غالبًا في صمت قبل أن تظهر في صورة أحداث صاخبة. وما يسميه الناس «مفاجأة تاريخية» ليس في كثير من الأحيان إلا نتيجة لتأخرهم في قراءة مقدمات كانت واضحة لمن امتلك القدرة على النظر بعيدًا.
ولعل التاريخ المعاصر يقدم أمثلة جلية على هذه الحقيقة. فالربيع العربي، بصرف النظر عن اختلاف التقييمات السياسية والفكرية حول أسبابه ونتائجه، يكشف كيف يمكن لحدث واحد أن يطلق سلسلة من المآلات المتشابكة. فقد بدأت الاحتجاجات في عدد من البلدان بمطالب سياسية واجتماعية، ثم تحولت في بعض الحالات إلى فراغ في السلطة، أعقبه اضطراب مؤسسي، وانقسام مجتمعي، وصراعات مسلحة، وتدخلات إقليمية ودولية، وأزمات اقتصادية، وموجات نزوح ولجوء، وصعود جماعات الإسلام السياسي المتطرفة التي استغلت هشاشة الدولة وتراجع قدرتها على ضبط المجال العام.
وليس المقصود هنا اختزال تلك الأحداث في سبب واحد؛ فالأسباب كانت أعمق وأقدم من لحظة الانفجار، لكن أهمية التجربة تكمن في أنها كشفت كيف يمكن لتراكمات طويلة أن تتحول، في لحظة معينة، إلى سلسلة متتابعة من النتائج. فالأزمة السياسية لم تبقَ سياسية، بل امتدت إلى الاقتصاد والأمن والثقافة والهوية، حتى أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، ويتغذى بعضها من بعض. وهذا هو جوهر فلسفة المآلات؛ فهي لا تنظر إلى الشرارة وحدها، بل تبحث عن البيئة التي جعلت الشرارة قادرة على إشعال الحريق. فالحدث لا يُفهم منفصلًا عن مقدماته، كما لا تُفهم نتائجه بمعزل عن السياق الذي نشأت فيه.
وجاءت جائحة كورونا لتؤكد الحقيقة نفسها، ولكن من زاوية مختلفة. فما بدأ أزمة صحية عالمية سرعان ما تحول إلى أزمة اقتصادية، ثم إلى اضطراب في سلاسل الإمداد، وارتفاع في معدلات التضخم، وضغوط على أسواق الطاقة والغذاء، وتغيرات واسعة في أنماط العمل والتعليم، وإعادة ترتيب لأولويات الأمن الصحي والاقتصادي لدى الدول.
ولم تكن الجائحة وحدها هي مصدر الأزمة، بل كانت المشكلة الكبرى في شبكة المآلات التي ولدتها؛ إذ كشفت الجائحة هشاشة بعض الأنظمة، وأعادت طرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الاقتصاد العالمي وقدرته على مقاومة الصدمات. وهكذا بدا العالم وكأنه يواجه أزمات متعددة، بينما كان في الحقيقة يعيش وجوهًا مختلفة لأزمة واحدة امتدت آثارها إلى مجالات عديدة.
وهذا يكشف طبيعة العالم المعاصر؛ فلم تعد الأزمات منفصلة كما كانت تبدو في الماضي، بل أصبحت مترابطة في شبكة معقدة؛ فالأمن يؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يؤثر في الاجتماع، والسياسة تؤثر في الاستقرار، والثقافة تؤثر في قدرة المجتمعات على التعامل مع التحولات. ولذلك لم تعد إدارة الأزمات تعني مجرد سرعة الاستجابة بعد وقوعها، وإنما القدرة على اكتشاف بوادرها، وفهم مساراتها، ومنع تحولها إلى أزمات متتابعة.
ومن هنا، فإن اعتبار المآلات ليس دعوة إلى التشاؤم أو إلى تعطيل المبادرات خشية نتائجها، بل هو تعبير عن نضج العقل. فالعقل القاصر ينظر إلى الفعل في لحظته، أما العقل الراشد فينظر إلى الطريق الذي يفتحه، وإلى الآثار التي قد تنتج عنه بعد حين. ولذلك كانت الأمم الأكثر قدرة على الاستمرار هي تلك التي لا تكتفي بحل مشكلاتها الظاهرة، بل تبحث عن جذورها قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
وهنا تتجلى القيمة الحضارية للفكر الإسلامي؛ فإذا كانت الحكمة الإنسانية قد عبرت عن هذه الخبرة بعبارة شكسبير، فإن الفكر الإسلامي لم يقف عند حدود الوصف، بل انتقل إلى بناء منهج يفسر الظاهرة ويمنع استفحالها. فالشافعي عبّر عن سنة الحياة، والشعر العربي صوّر تجربة الإنسان مع الشدائد، والقرآن والسنة قررا الأصل وأسسا للنظر في العواقب ابتداءً، حتى اكتمل هذا المعنى في نظرية اعتبار المآلات عند الشاطبي، وامتد في فلسفة العمران عند ابن خلدون.
ولهذا فإن المشكلة ليست في وقوع المصائب؛ فالابتلاء جزء من طبيعة الحياة، ولا توجد أمة أو فرد بمنأى عن الاختبار، وإنما المشكلة في التعامل مع كل أزمة وكأنها حادثة مستقلة، دون إدراك أنها قد تكون بداية لمسار طويل من النتائج.
فالأمم التي تعيش أسيرة اللحظة تظل تتحرك بمنطق ردود الأفعال، أما الأمم التي تمتلك وعي المآلات فإنها لا تمنع وقوع الأزمات كلها، لكنها تمنع الأزمة الواحدة من أن تتحول إلى سلسلة من الانهيارات.
ومن هنا تتجاوز مقولة «المصائب لا تأتي فرادى» حدود الحكمة الأدبية لتصبح مدخلًا إلى فلسفة في التفكير والإدارة والعمران. فهي تعلمنا أن القرار لا يُقاس فقط بصحة بدايته، بل بسلامة نهايته، وأن الحاضر لا يُفهم إلا باستحضار المستقبل، وأن أعظم الكوارث لا تبدأ يوم يراها الناس، بل يوم يعجزون عن رؤية مقدماتها.
فالمجتمعات، كما الأفراد، لا تصنع مصائرها بالأحداث الكبرى وحدها، وإنما بما يسبقها من اختياراتٍ صغيرة تتراكم عبر الزمن. فالتغيير والانهيار كلاهما يبدأ من الداخل، ثم تتوالى مآلاته حتى تصنع اتجاه المستقبل. ومن هنا فإن الحكمة ليست في انتظار المصيبة حتى تقع، وإنما في قراءة بذورها وهي لا تزال صغيرة، وفي إدراك أن من يحسن قراءة المآلات لا يملك منع كل العواصف، لكنه يملك أن يمنع العاصفة الأولى من أن تتحول إلى إعصار.
إلى اللقاء