سهم بن ضاوي الدعجاني
مشروع حضري يعيد تعريف دور الحدائق العامة من خلال مسار ممتد وإطلالة بانورامية ، قصته باختصار : أن يتحول الموقع من طبيعة صحراوية إلى غابة حضرية في قلب الرياض برؤية طويلة المدى وهوية محلية ، إنه «حديقة الملك سلمان» واحدة من مشاريع التجديد الحضري الأكثر طموحًا في العالم، خاصة وأنها ستكون واحة خضراء في قلب الرياض، تجمع بشكل متناغم بين الطبيعة والمدينة، مما سيجعل منها «الحديقة الأيقونة» التي تقدم مجموعة خيارات فنية وترفيهية وتجارية ومعيشية لسكان العاصمة وزوارها في المستقبل القريب ، وتسهم في صناعة نمط صحي في بيئة جاذبة ، ومما لفت نظر سكان العاصمة قبل أشهر اكتمال أعمال الحوائط الساندة «MSE WALLS»، في رحلة تقدم الأعمال داخل الحديقة وتلك الحوائط الساندة امتدت على طول 17 كيلومتراً، إضافة إلى 122,500 طن من الأحجار المحلية المأخوذة من طبيعة مدينة الرياض، ولاشك أن إنجاز أعمال الحوائط الساندة يؤكد تقدم أعمال هذه حديقة الأيقونية، ودورها في تثبيت التربة وتشكيل تضاريس الحديقة من أودية وتلال وهضاب مستوحاة من هضاب نجد، وبما يسهم في توفير مساحات مظللة ومناخ معتدل للنباتات والزوار ، كما أن اكتمال أعمال تلك الحوائط يمثل خطوة أساسية في تشكيل ملامح الحديقة، التي ستمتد أسفل التضاريس لتحفظ توازن الأرض وتضيف مشهداً جمالياً طبيعياً، مما يعكس تقدم الأعمال داخل الحديقة وتحول الرؤية إلى واقع، عبر تنفيذ التضاريس المصممة التي ستمنح زوار الحديقة تجربة غنية وثرية بين المسارات والأودية والتلال المتنوعة ، كما تعزز تلك الحديقة التي تقع على مساحة تزيد على 16 كيلومتراً مربعاً في مركز محوري في العاصمة، إذ ترتبط بعدد من طرقها الرئيسية، وهي متصلة بقطار الرياض، ومحطات شبكة الحافلات، مما يسهل الوصول إليها، كما ستعزز الحديقة من مكانة الرياض عالمياً لتصبح واحدة من بين أفضل المدن ملاءمة للعيش في العالم ،ومشروع حديقة الملك سلمان هو أحد مشاريع الرياض الأربعة الكبرى التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز- أيده الله - في 2019م، بتكلفة إجمالية 86 مليار ريال، مع ثلاثة مشاريع أخرى هي:” الرياض الخضراء” و” المسار الرياضي” و” الرياض آرت”بمبادرة من ولي العهد ؛ الذي وصف هذه الحديقة بقوله :» أيقونة عالمية موقع فريد من نوعه يرفع معايير الحدائق ويلبي احتياجات سكان الرياض ، وهي باختصار دعوة مفتوحة لمجتمعالعاصمة، لاكتشاف الجمال والابداع والابتكار إنها مساحة تجمع بين الهدوء والحركة. بين التراث والحداثة، بين الطبيعة والثقافة، بل هي حكاية نجاح لم تكتب بعد ستسردها الأشجار والنباتات في رياض العز وتصنعها الجهود الجماعية التي تعمل على تحقيق رؤية تتجاوز الزمن وتلهم الأجيال القادمة.
السؤال الحلم
كيف ستسهم حديقة الملك سلمان في الأثر الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والثقافي لمدينة الرياض؟ بل، وكيف ستعزز من جودة الحياة وقابلية العيش في المدينة؟ سيتحقق ذلك من وجهة نظري إذا اتسعت المساحات الخضراء في الحديقة، وتشكلت ملامح بيئة حيوية تتكامل فيها الطبيعة مع التفاصيل المعمارية والعناصر الطبيعية ليعيشها الزوار على أرض الواقع، وعندما تتحول الجسور المعلقة فيها إلى تجربة تتجاوز فكرة العبور بتصميم انسيابي ينسجم مع طبيعة المكان، وتربط تلك الجسور بين مختلف مناطق الحديقة فوق البحيرات والمسطحات الطبيعية، وتمنح الزوار إطلالات بانورامية تجعل الرحلة جزءًا من الوجهة ، وسيتحقق ذلك بالطبع ،عندما تتشكل ملامح حديقة الملك سلمان بين كل شجرة تغرس وكل عمود يرتفع عبر أعمال إنشائية متقدمة ومساحات خضراء تنمو يومًا بعد يوم، نحو مدينة أكثر حيوية واستدامة وجودة حياة وفق مبادئ العمارة السلمانية، لتجسد الأصالة برؤية معاصرة ،وأبعد من ذلك عندما تقدم الحديقة تجربة السينما الخارجية بطريقة مختلفة، في أجواء مسائية هادئة تحت سماء الرياض مع هَبّ النسيم ، وعندما يمتد الغطاء النباتي فيها ليجمع بين النباتات المحلية والعالمية في بيئة طبيعية تعزز المشهد الحضري الذي يعيد تشكيل تجربة المدينة، عبر نباتات تم اختيارها بعناية لتتناسب مع البيئة المحلية، وتصنع أثرًا مستدامًا وعندما تتلاقى الطبيعة والثقافة والحيوية في الحديقة الأيقونية لتكون وجهة استثنائية ومنظومة نابضة تجمع عناصر جودة الحياة وتعيد تشكيل تجربة المدينة ، والجميل أن حديقة الملك سلمان وهي في مسارها نحو صناعة وجهة حضرية مستدامة في قلب الرياض، حققت إنجازًا عالميًا جديدًا بحصولها على الجائزة الفضية ضمن فئة التنمية المستدامة في جوائز FIABCI World Prix d’Excellence Awards 2026، تقديرًا لدورها في بناء بيئة حضرية متكاملة تجمع بين الاستدامة وجودة الحياة وتجربة الزوار.
وأخيرا
لا يكفي -في نظري- أن تستقبل مؤسسة حديقة الملك سلمان طلاب نادي الهندسة الزراعية من جامعة الملك سعود، في زيارة ميدانية ليتعرفوا خلالها على مفاهيم الاستدامة وتطوير المساحات الخضراء والتخطيط الحضري، ودورها في بناء بيئة أكثر توازنًا وحيوية في قلب الرياض، بل الأمل أن ينفذ هؤلاء الطلاب مشاريع تخرجهم في هذه الحديقة الأيقونية ويتركوا بصماتهم في أركانها لأجيال المستقبل ، وجميل جدا أن تستقبل مؤسسة حديقة الملك سلمان فريق الرياض آرت في زيارة من أجل مناقشة أوجه التعاون المشترك، واستكشاف فرص تكامل الفن مع الطبيعة، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز جودة الحياة في مدينة الرياض وترك بصماتهم الإبداعية في أرجاء الحديقة..
وأخيراً..
حديقة الملك سلمان، ليست ترفا، بل هي أداة تأثير اجتماعي واقتصادي وثقافي تعزز جودة الحياة وقابلية العيش في العاصمة الحلم الرياض، خاصة عندما تتحول حديقة الملك سلمان إلى «أيقونة نجد»، كما أنها ستكون في المستقبل متحفا نباتيا مفتوحا لطلاب التعليم العام في الرياض، فمكونات الحديقة هي مختبرات للعلوم الطبيعية.