عمرو أبوالعطا
تمثل قصة الإخوة دقلو واحدة من أبرز التحولات في تاريخ السودان الحديث. فقد انتقلت العائلة من حياة البادية وتجارة الإبل إلى قيادة قوات الدعم السريع، لتصبح لاعباً رئيسياً في المشهد العسكري والسياسي، وطرفاً أساسياً في الحرب الدائرة منذ عام 2023. ويعكس هذا المسار تأثير الثروة والتحالفات القبلية والسياسية في إعادة تشكيل موازين القوة داخل السودان.
ترجع أصول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، إلى قبيلة الرزيقات العربية، وتحديداً فرع المحاميد، وهي إحدى القبائل المنتشرة في غرب السودان وعلى امتداد الحدود مع تشاد. ولد في منتصف سبعينيات القرن الماضي في منطقة يغلب عليها الطابع البدوي، حيث شكلت تربية الإبل والتجارة عبر الحدود النشاط الاقتصادي الأهم لسكانها. دخل حميدتي عالم التجارة في سن مبكرة، وتنقل بين السودان وتشاد وليبيا، مستفيداً من الطرق الصحراوية التي ربطت تلك المناطق منذ زمن طويل. نجح في تكوين ثروة عززت مكانته داخل محيطه القبلي، كما أتاحت له نسج علاقات مع تجار وزعماء محليين، وهي علاقات تحولت لاحقاً إلى رصيد سياسي وعسكري مهم.
ظل نشاطه التجاري هو العنوان الأبرز في حياته حتى اندلاع حرب دارفور عام 2003، حين دخل الإقليم مرحلة جديدة من الصراع المسلح بين الحكومة والحركات المتمردة. استعان نظام الرئيس عمر البشير بمجموعات قبلية مسلحة لمواجهة التمرد، وظهرت ميليشيات الجنجويد باعتبارها القوة الأكثر حضوراً في تلك المواجهة. انضم حميدتي إلى هذه المجموعات، وأظهر قدرة واضحة على التنظيم والحشد وقيادة المقاتلين، الأمر الذي جعله يصعد بسرعة داخل صفوفها.
تحول مع مرور الوقت إلى أحد أبرز قادة الجنجويد في دارفور، ونجح في جمع عدد من الفصائل تحت قيادته، مستفيداً من طبيعة المجتمع القبلي وروابطه العائلية. ارتبط اسمه بعدد من العمليات العسكرية التي أثارت انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية، وتحدثت تقارير عديدة عن هجمات استهدفت قرى مدنية في الإقليم، وعن انتهاكات واسعة صاحبت العمليات العسكرية خلال سنوات الحرب. وأصبح اسمه حاضراً في التقارير الدولية باعتباره واحداً من أكثر القادة العسكريين نفوذاً في غرب السودان.
كان عام 2013 نقطة تحول مفصلية في مسيرته، حين قررت الحكومة السودانية إعادة تنظيم هذه المجموعات المسلحة في إطار رسمي حمل اسم قوات الدعم السريع. جاء القرار في سياق سعي الخرطوم إلى إنشاء قوة تتمتع بسرعة الحركة والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية في المناطق المضطربة، وأسندت قيادة القوة الجديدة إلىه. منح هذا التحول قوات الدعم السريع وضعاً قانونياً وموارد مالية وتسليحية أكبر، كما وفر لها غطاءً رسمياً مكّنها من التوسع خارج دارفور، لتصبح قوة منتشرة في عدد من الولايات السودانية، وتشارك في مهام أمنية وعسكرية متعددة.
أتاح هذا التطور لعائلة دقلو فرصة غير مسبوقة لتوسيع نفوذها. فقد أصبح القرار العسكري مرتبطاً بقيادة العائلة، بينما بدأت تتشكل حولها شبكة اقتصادية واسعة وفرت التمويل اللازم لتطوير القوة الجديدة. ومع مرور السنوات أصبحت قوات الدعم السريع تمتلك تجهيزات عسكرية متقدمة، وآلاف المقاتلين، ومصادر تمويل مستقلة، وهو ما منحها مساحة كبيرة من الحركة بعيداً عن مؤسسات الدولة التقليدية.
اعتمد الإخوة دقلو على الذهب لبناء قوتهم الاقتصادية، مستفيدين من مكانة السودان بين أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، ومن التوسع الكبير في التعدين داخل دارفور. وسيطرت شبكات مرتبطة بالعائلة على عدد من المناجم، لتصبح عائدات الذهب المصدر الرئيسي لتمويل قوات الدعم السريع.
قاد عبد الرحيم دقلو هذا الملف عبر تأسيس شركة الجنيد للأنشطة المتعددة عام 2009، التي توسعت في التعدين والإنشاءات والنقل والخدمات اللوجستية. وسيطرت الشركة على مناجم بارزة، في مقدمتها جبل عامر بشمال دارفور، لتوفر موارد مالية ضخمة عززت نفوذ العائلة ورسخت الاستقلال المالي لقوات الدعم السريع.
أظهرت تقارير دولية أن شركة الجنيد صدرت كميات كبيرة من الذهب إلى البنك المركزي السوداني خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام عمر البشير، كما تحدثت تحقيقات صحفية وتقارير صادرة عن وكالة رويترز وجهات دولية أخرى عن شبكات لتصدير الذهب إلى الخارج، خاصة إلى دبي، مع اتهامات بتهريب جزء من الإنتاج بعيداً عن الرقابة الرسمية. أصبحت هذه الاتهامات محور اهتمام الحكومات الغربية، التي اعتبرت تجارة الذهب أحد أهم مصادر تمويل قوات الدعم السريع.
واصلت شركة الجنيد توسعها خلال سنوات قليلة، وتحولت من شركة تعمل في التعدين إلى مجموعة استثمارية تدير أنشطة متعددة في النقل والإنشاءات والطرق والخدمات اللوجستية، مستفيدة من النفوذ الذي اكتسبته قوات الدعم السريع داخل أجهزة الدولة. أصبحت الشركة إحدى أكبر الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالعائلة، وتدفقت إليها عائدات ضخمة من تجارة الذهب، وهو ما منح الإخوة دقلو قدرة كبيرة على تمويل عملياتهم العسكرية وتوسيع شبكاتهم التجارية داخل السودان وخارجه.
أشارت تقارير صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية ووكالة رويترز إلى أن الذهب القادم من مناطق سيطرة الدعم السريع كان يغادر السودان عبر قنوات تجارية معقدة، ووصل جزء كبير منه إلى أسواق خارجية، وفي مقدمتها دبي. وذهبت تلك التقارير إلى أن العائدات المالية الناتجة عن هذه التجارة استخدمت في شراء الأسلحة والمركبات والمعدات العسكرية، إلى جانب تمويل النشاط الاقتصادي المرتبط بالعائلة. وفي يونيو 2023 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة الجنيد بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، مع اتهامات بدعم الأنشطة العسكرية التي تهدد الأمن والاستقرار في السودان.
توزعت الأدوار داخل العائلة بصورة واضحة. تولى محمد حمدان دقلو القيادة العسكرية والسياسية، بينما أصبح عبد الرحيم دقلو المشرف على إدارة القوة الميدانية والملفات الاقتصادية الكبرى، في حين لعب القوني دقلو دوراً أقل ظهوراً أمام وسائل الإعلام وأكثر ارتباطاً بإدارة الشبكات المالية والاستثمارات الخارجية. وذكرت تقارير دولية أن القوني أشرف على عدد من الشركات المرتبطة بالدعم السريع، كما ارتبط اسمه بعمليات شراء معدات عسكرية وتنظيم عمليات التمويل خارج السودان.
ساعد هذا التقسيم في بناء منظومة متماسكة تجمع بين القرار العسكري والإدارة الاقتصادية والتمويل، فتحولت قوات الدعم السريع إلى مؤسسة تمتلك مصادر دخل مستقلة وقدرة كبيرة على الحركة، وهو وضع نادر في تاريخ التشكيلات العسكرية السودانية.
في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية الاقتصادية تتوسع، كانت العائلة تخطو بثبات نحو قلب السلطة في الخرطوم. جاءت الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019 لتفتح مرحلة جديدة في تاريخ السودان. وجد حميدتي نفسه شريكاً في إدارة المرحلة الانتقالية، فتولى منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، ثم أصبح عضواً في مجلس السيادة الذي تشكل في أغسطس من العام نفسه لإدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية.
أصبح حضوره السياسي يتجاوز حدود القيادة العسكرية، وبدأ يشارك في ملفات داخلية وإقليمية، كما نسج علاقات مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، مستفيداً من الثقل العسكري الذي تمتلكه قوات الدعم السريع، ومن النفوذ الاقتصادي الذي وفرته تجارة الذهب والاستثمارات المرتبطة بها.
في المقابل تولى عبد الرحيم دقلو إدارة جانب كبير من الملفات الأمنية داخل قوات الدعم السريع، وبنى علاقات واسعة مع قيادات عسكرية وأمنية خلال السنوات الأخيرة من حكم عمر البشير. وبعد سقوط النظام ظل لاعباً مؤثراً في دوائر القرار، مع استمرار الجدل حول دوره في عدد من الأحداث الدامية التي شهدتها الخرطوم، وفي مقدمتها فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019، وهي القضية التي ما زالت تحيط بها اتهامات وتحقيقات وشهادات متباينة.
أما القوني دقلو فابتعد عن الواجهة السياسية، وركز على إدارة الأنشطة التجارية والمالية، مع استمرار ظهوره في تقارير دولية تناولت شبكات التمويل وشراء المعدات العسكرية. ووفق تلك التقارير، فإن دوره كان يتمحور حول الحفاظ على التدفقات المالية التي احتاجت إليها قوات الدعم السريع خلال مراحل توسعها.
شهدت العلاقة بين حميدتي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان تقارباً بعد سقوط البشير، وشارك الرجلان في إدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية، كما تعاونا في انقلاب أكتوبر 2021 الذي أنهى الشراكة مع الحكومة المدنية. غير أن هذا التقارب أخفى خلافات عميقة حول مستقبل المؤسسة العسكرية، خاصة في ما يتعلق بدمج قوات الدعم السريع داخل الجيش، وتحديد الجهة التي تمتلك القرار العسكري النهائي داخل السودان.
تحولت هذه الخلافات مع مرور الوقت إلى أزمة سياسية وأمنية معقدة، وازدادت حدة التوتر مع تعثر المفاوضات الخاصة بإعادة هيكلة القوات المسلحة، إلى أن وصلت البلاد إلى لحظة الانفجار في منتصف أبريل 2023، حين اندلعت المواجهات المفتوحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتبدأ واحدة من أعنف الحروب في تاريخ السودان الحديث.
مع الساعات الأولى لاندلاع القتال في الخامس عشر من أبريل 2023 تحولت الخرطوم إلى ساحة حرب مفتوحة. انتشرت قوات الدعم السريع بسرعة داخل عدد من المواقع الحيوية، وسيطرت على أجزاء واسعة من العاصمة، مستفيدة من انتشارها السابق داخل المدن الكبرى ومن جاهزية مقاتليها. في المقابل دفع الجيش السوداني بتعزيزات كبيرة لحماية مقراته وقواعده العسكرية، لتدخل البلاد مرحلة طويلة من المواجهات التي امتدت إلى دارفور وكردفان والجزيرة ومناطق أخرى.
أظهرت قوات الدعم السريع قدرة كبيرة على المناورة خلال الأشهر الأولى من الحرب، وتمكنت من فرض سيطرتها على مدن ومرافق استراتيجية، في وقت واجه فيه الجيش صعوبات مرتبطة باتساع رقعة القتال. ومع استمرار العمليات العسكرية تغيرت موازين القوة تدريجياً، وبدأ الجيش يستعيد عدداً من المواقع المهمة داخل العاصمة، ثم استعاد أجزاء واسعة من الخرطوم بحلول عام 2025، بينما احتفظت قوات الدعم السريع بنفوذ واسع في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان.
تحولت دارفور مرة أخرى إلى مركز الصراع الرئيسي. فقد أصبحت المدن والقرى مسرحاً لمعركة طويلة بين الجيش والدعم السريع، وسط انهيار الخدمات الأساسية واتساع رقعة النزوح. ومع استمرار العمليات تمكنت قوات الدعم السريع من إحكام سيطرتها على مناطق واسعة داخل الإقليم، كما ارتبط اسمها بالسيطرة على مدينة الفاشر خلال عام 2025، وهو تطور اعتبره كثير من المراقبين محطة مؤثرة في مسار الحرب داخل غرب السودان.
دفعت المواجهات السودان إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. سقط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، واضطر أكثر من ثلاثة عشر مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، سواء بالنزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى الدول المجاورة. تعطلت المستشفيات، وتوقفت المدارس، وتضررت البنية الأساسية في عدد كبير من المدن، بينما انتشرت المجاعة في مناطق واسعة نتيجة تعطل الإنتاج الزراعي وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية سلسلة طويلة من الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف الصراع، وتعرضت قوات الدعم السريع لاتهامات تتعلق بعمليات قتل جماعي واستهداف مجموعات سكانية على أسس عرقية، إلى جانب أعمال عنف جنسي ونهب للممتلكات وتدمير واسع للمناطق السكنية. كما اتهمت باستخدام الحصار والتجويع وسيلتين للضغط العسكري.
أصبح اسم الإخوة دقلو محوراً دائماً في التقارير الدولية الخاصة بالحرب، فوجودهم على رأس قوات الدعم السريع جعلهم في قلب الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات الإنسانية. ومع اتساع نطاق الأزمة بدأت الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية في فرض إجراءات عقابية استهدفت قادة الدعم السريع وشبكاتهم الاقتصادية.
في يناير 2025 أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على محمد حمدان دقلو بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، بعد تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك أنتوني بلينكن تحدث فيها عن ارتكاب قوات الدعم السريع أعمالاً صنفتها واشنطن ضمن جرائم الإبادة الجماعية في دارفور. شملت العقوبات تجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية الأمريكية، وفرض قيود مالية على التعامل معه ومع الكيانات المرتبطة به.
توالت الإجراءات الدولية خلال العامين التاليين، ففرضت الولايات المتحدة عقوبات على عبد الرحيم دقلو، ثم أدرج مجلس الأمن الدولي اسمه ضمن قوائم العقوبات مع اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كما استهدفت العقوبات عدداً من الشركات والأفراد الذين ارتبطوا بالهيكل المالي لقوات الدعم السريع.
أما القوني دقلو فقد فرض مجلس الأمن الدولي عليه عقوبات خلال عام 2026، استناداً إلى اتهامات تتعلق بشراء الأسلحة والمعدات العسكرية وإدارة شبكات التمويل الخاصة بقوات الدعم السريع. وأعقب ذلك صدور نشرة دولية بحقه عبر الإنتربول تضمنت إجراءات للملاحقة الدولية، إضافة إلى قيود على السفر وتجميد الأصول في عدد من الدول.
امتدت الإجراءات العقابية إلى شركة الجنيد، التي اعتبرت إحدى أهم الأذرع الاقتصادية للعائلة. استهدفت العقوبات تقليص قدرتها على ممارسة النشاط التجاري والوصول إلى النظام المالي العالمي، في إطار محاولات تجفيف مصادر التمويل التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع طوال سنوات الصراع.
في يوليو 2026 دخلت المواجهة بين الدولة السودانية وقيادات الدعم السريع مرحلة جديدة، عندما أصدرت محكمة في بورتسودان حكماً غيابياً بالإعدام شنقاً بحق محمد حمدان دقلو وعدد من كبار قادة قوات الدعم السريع، بينهم عبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، بعد إدانتهم في قضايا تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في غرب دارفور، وفق ما أعلنته السلطات السودانية. مثل هذا الحكم تطوراً قضائياً غير مسبوق في مسار الحرب، رغم استمرار الجدل حول إمكانية تنفيذه في ظل بقاء المتهمين خارج سيطرة الحكومة.