ميسون أبو بكر
سأتحدث عن جيل الهواتف المحمولة ووسائل التواصل وألعاب الهواتف الذكية التي لا تحتاج أن تذهب وتلتقي ببشر تشاركهم التجربة بل صار الشباب سجناء في تلك الأجهزة، وحيدين، أسرى للأجهزة والشركاء الوهميين.
لا أتحدث عن هذا الجيل في منطقة محددة لأن ما أسلفت هو سمة للشباب في كل مكان في العالم.. أمريكا وفي الصين وفي بلادنا العربية، وما حفز الكتابة في هذا الموضوع هو الفرق بين كفاءة هذا الجيل ومن سبقه، وسؤال طرأ على بالي في واشنطن حيث وجدت اختلافا في التعامل مع الزبائن من قبل موظفين من جيل جديد في فندق عريق تعودنا أن نحظى به بإقامة مميزة منذ عشرين عاما من موظفين اعتدنا لقاءهم أو آخرين مدربين جيدا، لكن أولئك الموظفين الذين التقيناهم أخيرا بدوا وكأنهم من عالم آخر، كريبوت يتكلمون باختصار ولا يجيدون فن التعامل مع الآخرين، ولا يلتفتون لأهمية التواصل وجذب أطراف الحديث.
لقد اختلف الوضع كثيرا بين الأمس واليوم، حيث إن العالم الذي كان يسير للأمام ويتطور وتزداد خبرة البشر وتتجدد طاقاتهم مع الوقت ويكتنزون بالتجربة فإن واقعه اليوم اختلف، وكأننا نسير للوراء، جيل جديد يعبر ضفتي الشارع وهو مشغول بهاتفه لا يكاد يرفع رأسه ليرى من حوله، مبرمج على الاشارة المرورية الحمراء والخضراء، غير آبه بأي خطأ بشري قد يجعل صاحب المركبة تصدمه وهو منشغل بهاتفه، ثم الأعمال اليوم بخاصة تلك التي عن بعد جعلته متعودا على أن يكون أسيرا لجهازه وبيته بل محيط غرفته، والألعاب الإلكترونية المتاحة في هاتفه أغنته من المشاركات الحقيقية في صالات الألعاب ومع محيط الأسرة كالشطرنج والطاولة والبلوت وغيرها وتحريك جسده بالمشي أو تغيير محيطه.
عزلة مخيفة يعيشها هذا الجيل، وهي بدأت منذ زمن الإلكترونيات والأجهزة المحمولة التي استخدمتها بعض الأمهات كوسيلة لتلهية الطفل وهدوئه وإشغاله بها، فتجد طفلا في الثانية من عمره يلهو مع الألعاب في الجهاز المحمول مما جعل تعرضه للشاشات لوقت طويل يحرمه من قدرة التواصل الاجتماعي مع الناس، فإن لم يصب بالتوحد أصيب بطيف التوحد، كما أكدها أحد الأطباء قبل أيام على راديو العربية FM وهي أحد الأضرار الجانبية للهواتف الذكية لدى الأطفال.
هؤلاء الأطفال هم شباب اليوم وتلك العادات التي تتحول إلى ظاهرة تغزو المجتمعات وتتسبب في العزلة وعدم القدرة على التواصل مع الآخر ورداءة العمل وعدم الرضا هي ناتجة عن الاستعمال المكثف للأجهزة المحمولة والتعلق بعالم افتراضي وببشر وهميين، ولا بد أن نتصدى لها لنحافظ على إنسانيتنا وعلى عالم صحي وكون عامر بالبشر الذين يتقنون التعامل مع الآخر وفن النقاش والحوار والتواصل وجدية التجربة.
تحدثت عن السلبيات هنا لمعالجة الخلل ولا ننكر أبدا الجوانب الإيجابية للتقنية والتي لا مجال لذكرها في هذا السياق.
ولعل كورونا كانت السبب في نمط الحياة الإلكتروني والعزلة والتي لا بد من الخروج من سياقها وما ترتب عليها.
فالتسوق عبر التطبيقات، التواصل الإلكتروني، التسلية مع الألعاب الإلكترونية، عدم التواصل مع الآخر كل تلك فرصتها فترة كورونا.
الشباب الذين يستخدمون الجوال طيلة الوقت ويتواصلون إلكترونيا كيف لهم أن يكونوا موظفين قديرين يحسنون عمل علاقات وشراكات مع زبائنهم!
لا بد من حلول وطرق وجهود الأسرة أيضا لنحظى بكون عامر بشباب شغوف للتواصل والعمل والاكتناز بالتجارب العملية نشأ في حضن أسرة ومجتمع سوي.
أشعر بالفزع عندما تصلني دعوة للحديث أو التواصل على أحد التطبيقات عبر الإنترنت، لأنني في حلبة الحياة حين التقي بذلك الشخص في مناسبة إعلامية متصلة بعملي ونشاطي اندهش أنه لا يشبه الكائن الإلكتروني الذي تواصلت معه وقد تكون المعلومات التي وصلتني منه غير مطابقة للحقيقة..
أهلا بالواقع المعيش ومرحبا بالتقنية التي تسهل حياتنا ولا تورطنا في سجن صغير لا يتجاوز محيطها.