أ.د.عثمان بن صالح العامر
في المقابلة التي أجراها الإعلامي المعروف (علي الظفيري) على شاشة قناة الجزيرة، مع الرئيس السوري (أحمد الشرع)، مساء يوم الأحد الماضي 2/ 8/ 2026 م، بدا أن السؤال الذي ظل يطارد الضيف، ويؤرق تفكيره لم يكن سؤال السلطة ولا السياسة، بل سؤال آخر أكثر عمقًا وأشد إلحاحًا: إنه سؤال الواجب، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا السؤال لم يولد في ذهنية الشرع من فراغ، بل تشكل - كما يقول هو - تحت ضغط الواقع العربي والإسلامي المثقل بالأزمات والهزائم والتراجعات. فمن فلسطين التي ما تزال تقدم كل يوم مشاهد الصمود والتضحية، إلى سوريا التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها وغابت عن المشهد الحضاري بعد أن كان لها حضورها الفارق طوال سبعة آلاف عام، وصولاً للعراق الذي عانى سنوات طويلة من الحروب والانقسامات. ولعل إدراك الشرع في سن مبكرة لثقل هذا السؤال دفعه إلى مراجعة تجارب سابقة، قومية كانت أم إسلامية، بحثًا عن أسباب تعثرها. وسر فشلها، وكانت النتيجة التي خرج بها من رحلته التأملية أن المشاريع العربية الكبرى أخفقت لأنها أسقطت أمنياتها على الواقع، أو تجاهلت موازين القوى، أو عجزت عن التكيف مع المتغيرات، فكانت الفجوة بين الشعارات والإمكانات سببًا في تعثرها.
إن سؤال الواجب في نظر الشرع يختلف عن سؤال الأمنيات. فالأول يبحث عن الممكن الذي يمكن إنجازه، أما الثاني فيعيش في فضاء المثاليات. ولهذا كان المصلحون الحقيقيون -في نظره- يبدأون دائمًا بتقدير الواقع، وفهم التحديات، وتشخيص مواطن القوة والضعف، ثم الانتقال إلى بناء الحلول القابلة للتطبيق.
ومن داخل سجنه في العراق، ساوره وأقلقه سؤال آخر تولد عن سؤال الواجب السابق، ألا وهو (ماذا أستطيع أن أقدم؟).
لقد تحول القلق لدى الشرع إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى عمل، والعمل إلى مشروع متدرج يقرأ الواقع بعين الحكمة، ويستفيد من التجارب، ويتجنب أخطاء السابقين، ويؤمن بأن الإصلاح عملية تراكمية لا تقفز على السنن ولا تتجاهل حقائق التاريخ. وهكذا، فإن السؤال الذي أقلق الرئيس التواق لشام جديد منذ كان في السادسة عشرة من عمره ولازمه سنوات طويلة في حياته ولازال، لم يكن علامة حيرة، بل كان بداية وعي. فالقلق الذي يدفع إلى البحث والمراجعة والتقويم هو قلق محمود، لأنه يحول الإنسان من مجرد شاهد على الأحداث إلى شريك في صناعة المستقبل.
حفظ الله لنا وطننا وطن العز والمجد والسؤدد، المملكة العربية السعودية، ووحد وطننا العربي وحرره من براثن الأعداء الذين يكيدون في العلن أو الخفاء، ووقانا جميعاً شر من به شر، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.