أحمد يحي البارقي
منذ أكثر من عقد يعيش اليمن واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيدًا في المنطقة بعد أن تحولت أرضه إلى ساحة للصراع وأصبح شعبه يدفع فاتورة خيارات لم يشارك في صناعتها، وبينما كان اليمنيون يتطلعون إلى بناء دولة مستقرة تحقق الأمن والتنمية.
جاء الحوثيون لتقويض مؤسسات الدولة وتبديد مقدرات البلاد وإغراق الملايين في دوامة الفقر والنزوح والمعاناة خدمة لمشروع فارسي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار جماعة الحوثي في تبني خيار السلاح، وإطالة أمد الصراع وربط القرار اليمني بحسابات خارجية لم يحقق لليمن سوى المزيد من الانقسام والتراجع فالأوطان لا تُدار بمنطق الميليشيات والعصابات التي لها ولاء لغير أوطانها ولا تُبنى بالشعارات وإنما تُبنى بمؤسسات الدولة وسيادة القانون واحترام الإرادة الوطنية والعمل من أجل مصالح المواطنين.
وليس من مصلحة اليمن أن يبقى رهينة لمشاريع خارج حدوده أيًا كان مصدرها أو شعاراتها فالتاريخ يعلمنا أن الأوطان التي يُختطف قرارها الوطني تصبح أكثر عرضة للأزمات بينما الدول التي تجعل مصلحة شعبها فوق كل اعتبار هي القادرة على تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار.
لقد رفعت جماعة الحوثي طوال سنوات شعارات سياسية وأيديولوجية متعددة إلا أن اليمني البسيط لا يقيس نجاح أي مشروع بالشعارات بل بما يراه في حياته اليومية من أمن واستقرار وخدمات وفرص عمل وتعليم ورعاية صحية وهذه هي المعايير الحقيقية التي تحكم على نجاح أي تجربة سياسية وليس الخطابات التي لا تنعكس إيجاباً على حياة الناس.
وفي المقابل برزت المملكة العربية السعودية بوصفها شريكًا رئيسياً في دعم اليمن سواء عبر المساعدات الإنسانية والإغاثية أو من خلال دعم جهود التهدئة والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار اليمن يمثل ركيزة لاستقرار المنطقة بأسرها فالفارق كبير بين يدٍ تمد الجسور وتدعم التنمية ويدٍ تُبقي السلاح حاضراً في المشهد وتؤجل فرص السلام.
إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التصعيد أو توسيع دائرة الصراع ولا إلى تحويل أراضيه إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة ويحفظ سيادتها ويعيد للمواطن ثقته بمستقبل بلاده فكل رصاصة تُطلق تعني مشروعاً تنمويًا يتعطل، وكل جولة قتال جديدة تعني أسرة أخرى تشرد وطفلًا آخر يحرم من التعليم ومستشفىً يفقد قدرته على خدمة المرضى.
إن التجارب المعاصرة تؤكد أن التنمية لا تزدهر في ظل الفوضى، وأن الشعوب لا تنهض إلا عندما يكون قرارها الوطني مستقلًا، وعندما تُسخر الإمكانات لبناء الإنسان لا لإدامة الحروب واليمن بما يمتلكه من تاريخ عريق وإمكانات بشرية وطبيعية يستحق أن يكون جزءاً من مستقبل عربي قائم على التنمية والتكامل لا أن يبقى رهينة للصراعات والاستقطابات.
لقد آن الأوان لأن ينتصر صوت الحكمة على صوت السلاح وأن تقدم مصلحة اليمن على كل الولاءات الضيقة وأن يدرك الجميع أن المستقبل لا تصنعه الميليشيات بل تصنعه الدول ولا تبنيه الشعارات بل تبنيه المدارس والمستشفيات والمصانع والجامعات، وإرادة الشعوب في الحياة.
ويبقى الأمل أن يستعيد اليمن عافيته وأن يعود وطنّا عربياً آمناً ومستقرًا يسوده القانون وتحكمه المؤسسات وتُصان فيه كرامة الإنسان ليكتب اليمنيون بأيديهم مستقبلاً يليق بتاريخهم وحضارتهم بعيداً عن الحروب ومشاريع الوكلاء.