حذامي محجوب
لا يخلّد التاريخ القادة بعدد الحروب التي خاضوها، بل بعدد الحروب التي نجحوا في منعها. فالانتصار الحقيقي لا يقاس بحجم الدمار الذي يمكن أن تُحدثه الجيوش، وإنما بقدرة الدولة على توظيف قوتها لفرض السلام لا لفرض الحرب. وفي عالم تتراجع فيه لغة العقل أمام ضجيج السلاح، يصبح وجود رجال دولة يؤمنون بالدبلوماسية ويجيدون هندسة التوازنات الإقليمية والدولية أكثر أهمية من امتلاك أحدث الترسانات العسكرية.
لقد وقفت المنطقة، خلال الأسابيع الأخيرة، على حافة واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات. فالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل الانخراط الإسرائيلي، لم يعد مجرد تبادل للرسائل السياسية أو العسكرية، بل تحول إلى أزمة مفتوحة كانت كل مؤشراتها تنذر بانفجار واسع قد يعيد رسم خرائط الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وكانت لغة التهديد تتقدم على لغة الحوار، فيما بدا أن المنطقة تستعد لدفع فاتورة حرب جديدة لن يكون فيها منتصر حقيقي، لأن الجميع سيدفع الثمن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
في تلك اللحظة الدقيقة، برز تحرك ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، باعتباره تحركاً يعبر عن فلسفة دولة توازن بين القوة والمسؤولية، بعيداً عن منطق الاستقطاب والمواجهات.
فقد سعت المملكة إلى إعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي، وانتزاع القرار من قبضة الانفعال العسكري إلى فضاء العقل والحوار. وحين يصبح إطلاق الصواريخ أسهل من إطلاق مبادرة سلام، تتحول الوساطة إلى فعل شجاعة سياسية، ويغدو منع الحرب إنجازًا يفوق في قيمته أي انتصار يتحقق في ساحات القتال.
لم يكن التحرك السعودي دفاعاً عن طرف في مواجهة طرف آخر، ولا انحيازاً إلى محور على حساب محور، بل كان انحيازاً إلى استقرار المنطقة وإلى مصالح شعوبها. فالحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد شأناً محليًا، إذ لم تعد تعترف بالحدود، ولا تقف آثارها عند ميادين المواجهة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، والاستقرار المالي، لتطال حياة ملايين البشر الذين لا علاقة لهم بقرارات الحرب ولا بحسابات صناعها.
اللافت أن هذا الدور لم يكن وليد الأزمة، بل جاء امتداداً لمسار سياسي ودبلوماسي انتهجته المملكة خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقلت الرياض من موقع المتفاعل مع الأزمات إلى موقع المساهم في صناعتها الإيجابية، وأصبحت لاعباً قادرًا على فتح قنوات التواصل بين أطراف متخاصمة، بما راكمته من مصداقية وثقة لدى مختلف القوى الإقليمية والدولية. ولم يكن ذلك نتاج ظرف عابر، بل ثمرة رؤية استراتيجية أعادت تعريف مفهوم النفوذ، فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري أو بعدد الأسلحة، وإنما أيضاً بالقدرة على صناعة التوافقات، وبناء الجسور حين تنهار، وإنتاج الحلول عندما تتعثر السياسة.
لقد فرضت التحولات الكبرى في النظام الدولي واقعاً جديداً، لم تعد فيه الدول تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على أن تكون وسيطاً موثوقاً، وشريكاً يحظى باحترام الجميع. وفي هذا السياق، استطاعت المملكة العربية السعودية، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، أن ترسخ حضورها بوصفها دولة تملك قرارها المستقل، وتتحدث مع جميع الأطراف، وتحافظ في الوقت ذاته على ثوابتها ومصالحها الوطنية. وهذه معادلة ليست سهلة في منطقة تتشابك فيها التحالفات، وتتداخل فيها المصالح، وتتغير فيها موازين القوى بوتيرة متسارعة.
من هنا، فإن المبادرة السعودية لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل تعبير عن رؤية سياسية تؤمن بأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل الحروب، وأن مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، وفي مقدمتها رؤية المملكة 2030، تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، لأن ازدهار المنطقة ليس مصلحة سعودية فحسب، بل ضرورة مشتركة لجميع دولها. ولهذا جاءت الدعوة إلى منح الدبلوماسية فرصة جديدة، وإلى تغليب الحوار على المواجهة، باعتبارها خياراً استراتيجيًا، لا مجرد تكتيك فرضته ظروف اللحظة.
ومع ذلك، فإن أي تهدئة تظل هشة ما لم تتحول إلى مشروع سياسي متكامل يعالج جذور الأزمات، لا مظاهرها فقط. فوقف إطلاق النار لا يعني انتهاء أسباب الصراع، وتأجيل الحرب لا يعني استبعادها. ومن ثم، فإن المسؤولية لا تقع على الوسطاء وحدهم، بل على الأطراف المعنية أيضاً، التي باتت مطالبة بإعادة بناء الثقة، والتخلي عن خطاب التصعيد، والإقرار بأن منطق الاستنزاف المتبادل لم يعد قادراً على إنتاج أي مكسب سياسي دائم.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الشرق الأوسط كان الخاسر الأكبر في معظم حروبه. فما بدأ بشعارات النصر انتهى، في كثير من الأحيان، إلى دول منهكة، واقتصادات مستنزفة، ومجتمعات دفعت أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. أما السلام، ورغم أنه يحتاج إلى صبر وإرادة وشجاعة سياسية، فإنه يبقى الاستثمار الوحيد الذي يحقق الربح للجميع، لأنه يحمي الإنسان، ويصون الدولة، ويؤسس لتنمية مستدامة.
إن الدور الذي اضطلع به الأمير محمد بن سلمان يتجاوز حدود الوساطة التقليدية، لأنه يعكس تحولًا نوعيًا في مكانة المملكة العربية السعودية على الساحتين الإقليمية والدولية. فحين تتجه الأنظار إلى الرياض في أكثر الأزمات تعقيدًا، وحين تصبح المملكة محطة للتشاور وبناء التوافقات، فإن ذلك يعكس الثقة التي اكتسبتها، والدور الذي باتت تؤديه في صياغة معادلات الأمن والاستقرار، لا في المنطقة فحسب، بل على امتداد النظام الدولي.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يميز الأمير محمد بن سلمان ليس فقط أنه يقود دولة تمتلك واحدة من أقوى القدرات العسكرية في المنطقة، وجيشاً محترفاً قادراً على حماية حدود المملكة والدفاع عن أمنها وسيادتها بكل حزم، بل إنه اختار أن يجعل من هذه القوة ضمانة للسلام، لا أداة لإشعال الحروب. فالسعودية التي تمتلك القدرة على الرد، تمتلك أيضا شجاعة التروي، وتدرك أن أمنها لا ينفصل عن أمن جوارها، وأن استقرار المنطقة يمثل امتداداً طبيعيًا لاستقرارها الوطني. ومن هنا جاء تحرك ولي العهد في لحظة كانت المنطقة تقف فيها على حافة مواجهة قد تجر الجميع إلى المجهول، ليغلب صوت الحكمة على ضجيج المدافع، ومنطق الحوار على منطق التصعيد.
وهكذا تؤكد المملكة العربية السعودية، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، أن الدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة، بل بما تتحلى به من مسؤولية في إدارة هذه القوة. فالقوة الحقيقية ليست تلك التي تبحث عن الحرب، وإنما تلك التي تجعل الحرب خياراً أخيرًا، وتمنح السلام كل الفرص الممكنة قبل أن تتحدث المدافع.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجبهات المشتعلة، بل إلى مزيد من رجال الدولة الذين يدركون أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تحققها الجيوش في ميادين القتال، وإنما تلك التي تحققها الحكمة على طاولات التفاوض. فالجيوش قد تحسم معارك، لكن القادة الذين يمنعون اندلاعها هم الذين يصنعون التحولات الكبرى ويحتفظ لهم التاريخ بمكانة لا تزول، لأنهم اختاروا أن ينتصروا للإنسان قبل السلاح، وللحياة قبل الدمار، وللمستقبل قبل حسابات اللحظة.