د. ياسين علي محمد عزي
لم يكن انتقال الثقافة والفنون في المملكة العربية السعودية من هامش الاهتمام التنموي إلى قلبه تحولًا عابرًا صنعته كثرة الفعاليات أو اتساع الحضور الجماهيري، بل كان ثمرة رؤية قيادية أعادت تعريف ما يحتاج إليه الوطن وهو يبني مستقبله. فمنذ أن وضعت رؤية المملكة 2030 الإنسان في مركز التحول، لم يعد الاقتصاد منفصلًا عن جودة الحياة، ولا الهوية بعيدة عن التنمية، ولا الثقافة ترفًا يأتي بعد إنجاز المشروعات الكبرى؛ فقد أصبحت الثقافة نفسها مشروعًا وطنيًا، وصارت الفنون إحدى اللغات التي تعبّر بها المملكة عن ذاتها، وتبني من خلالها اقتصادًا جديدًا وحضورًا حضاريًا يتجاوز حدودها.
ومن داخل هذا المسار يمكن قراءة تأسيس جامعة الرياض للفنون، وتكليف سعادة الدكتور محمد حسن علوان برئاستها. فالخبر لا يتعلق بجامعة جديدة تضاف إلى خريطة التعليم العالي، ولا بروائي وإداري ينتقل إلى موقع قيادي آخر، بقدر ما يكشف عن مرحلة بلغت فيها الرؤية الثقافية السعودية من النضج ما جعلها تنتقل من رعاية الموهبة إلى تأسيس المعرفة التي تصقلها، ومن الاحتفاء بالعمل الفني بعد إنجازه إلى بناء المؤسسة التي تهيئ لولادته، ومن تجارب فردية متفرقة إلى منظومة تجعل الفن قوة وطنية منتجة للمعرفة والوظيفة والقيمة، ومشاركة في بناء الهوية وصياغة الحضور الحضاري للمملكة.
فالدولة التي تنشئ جامعة للفنون لا تضيف مبنى إلى خريطة التعليم العالي فحسب، بل تعيد تعريف ما تعدّه معرفة نافعة، وما تراه استثمارًا في الإنسان، وما تعتبره مصدرًا من مصادر قوتها في المستقبل. والتنمية، في معناها الأوسع، لا تُقاس بما تنتجه المصانع والمختبرات وحدها، وإنما بما تولده العقول من أفكار، وما تبتكره المخيلة من صور، وما تمنحه الثقافة لوطنها من مكانة في ذاكرة العالم. ولهذا لم يعد الفن في المشروع السعودي موهبة تنتظر فرصة عابرة، بل صار قطاعًا يحتاج إلى تعليم متخصص، وبنية إنتاجية، وسوق مهنية، وتشريعات وتمويل وقيادات تفهم روحه بقدر ما تفهم شروط استدامته.
تظهر أهمية جامعة الرياض للفنون في هذا السياق تحديدًا؛ فالجامعة الجديدة لا تبدأ يوم تستقبل أولى دفعاتها، ولا حين تفتح قاعاتها لتدريس المسرح والموسيقى والأفلام والفنون الأدائية والإدارة الثقافية. بدايتها الحقيقية أسبق من ذلك بكثير؛ فهي تبدأ من الفلسفة التي أُنشئت من أجلها، ومن تصورها لوظيفة الفن في المجتمع، ومن النموذج الأكاديمي الذي ستتبناه، ومن نوع الإنسان الذي تطمح إلى تكوينه في خريجيها. لذلك لا يتولى رئيسها المؤسس إدارة مؤسسة اكتملت ملامحها، بل يشارك في رسم تلك الملامح؛ إذ لا يرث جامعة قائمة بأنظمتها وتقاليدها وأسئلتها، وإنما يقف عند اللحظة التي تُكتب فيها الجملة الأولى من تاريخها، وتتحدد فيها علاقتها بالهوية والاقتصاد والمجتمع والعالم.
من هنا، لا ينبغي قراءة قرار معالي وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان بتكليف سعادة الدكتور محمد حسن علوان رئيسًا لجامعة الرياض للفنون بوصفه انتقالًا وظيفيًا في مسيرة أدبية وإدارية ناجحة فحسب. فدلالة القرار أبعد من الاسم وأعمق من المنصب؛ لما يكشفه من فلسفة واضحة في بناء المؤسسات الثقافية السعودية، تقوم على أن المؤسسة لا يكفي أن تُدار بعد إنشائها، بل ينبغي أن يبدأ تأسيسها بمن يفهم معناها قبل أن ينشغل بتفاصيلها. فالجامعة الوليدة ليست جهازًا إداريًا ينتظر من يشغّل أنظمته، وإنما مشروع وطني سيتحول، عبر السنوات، إلى مناهج ومدارس فنية وذاكرة أكاديمية وخريجين ومخرجات إبداعية. ومن يتولى رئاستها في لحظة التأسيس لن يدير حاضرها وحده، بل سيترك أثره في الطريقة التي ستفكر بها بعد عقود، وفي طبيعة الفنان الذي ستخرجه، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي قدرتها على أن تكون عالمية في معاييرها، سعودية في صوتها.
لا يختار الرئيس المؤسس الإجراءات وحدها، بل يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد الأسئلة والتساؤلات الكبرى التي ستنشأ عليها الجامعة: ما معنى الفن في المجتمع السعودي؟ وما العلاقة بين الحرية الإبداعية والمسؤولية؟ وكيف تتحول الموهبة إلى معرفة، ثم إلى مهنة وصناعة؟ وكيف تستفيد الجامعة من التجارب الإنسانية من دون أن تستعير صوتًا لا يشبهها؟ ثم كيف يصبح الفن جزءًا من مشروع التنمية من دون أن يفقد روحه أو يُختزل في منتج تجاري لا يحمل معنى يتجاوز قيمته السوقية؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح اختيار محمد حسن علوان دلالته الحقيقية؛ فالمسألة ليست أن روائيًا أصبح رئيسًا لجامعة، بل إن تجربة الرئيس المؤسس تجمع بين عالمين مختلفين في أدواتهما، متكاملين في أثرهما. تحتاج قيادة الجامعة إلى معرفة إدارية راسخة وتراكم قيادي يمكّنان من بناء الأنظمة والبرامج والشراكات، وهي معرفة أسسها علوان أكاديميًا في دراساته العليا، وراكمها عمليًا في مسيرته التنفيذية. لكنها تحتاج، في الوقت نفسه، إلى فهم دقيق للفن وروحه، لا من موقع المتابع الخارجي، بل من داخل تجربة طويلة في الكتابة والإبداع والعمل الثقافي. ومن التقاء هذين العالمين يتشكل النموذج الذي تتطلبه لحظة التأسيس: مبدع يعرف كيف تولد الفكرة، وإداري يعرف كيف تتحول الفكرة إلى مؤسسة.
ولعل هذا الاختيار يعيدنا إلى سؤال قديم ظل يتردد في بيئات ثقافية كثيرة: هل يصلح المبدع للإدارة؟ وكأن السؤال يقوم، في جانب منه، على تصور يفصل بين الخيال والانضباط، وبين الحس الفني والقدرة التنظيمية، أو يفترض أن الإبداع نقيض الإدارة، وأن الإدارة لا تستقيم إلا حين تتجرد من الخيال. غير أن التحولات السعودية الراهنة تنقلنا إلى سؤال أكثر نضجًا: هل تستطيع الإدارة أن تنجح في مؤسسة ثقافية إذا كانت لا تفهم طبيعة الإبداع الذي تديره؟
فالثقافة ليست قطاعًا يمكن قيادته من خارج لغته؛ فمن لا يعرف كيف تولد الفكرة قد يتعامل معها بوصفها بندًا في خطة تشغيلية، ومن لم يختبر خصوصية العمل الإبداعي قد يطالبه بأن يتحرك بمنطق الآلة، ومن لا يدرك طبيعة الموهبة قد يساوي بينها وبين الوظيفة، ظنًا منه أن الفنان يُصنع باللوائح وحدها، أو أن الإبداع يمكن استدعاؤه بمجرد تحديد موعد للتسليم. الشغف بالفن، في المقابل، لا يكفي لبناء جامعة؛ فالمؤسسة الأكاديمية تحتاج إلى حوكمة ولوائح واعتماد وشراكات واستدامة مالية ومؤشرات أداء، كما تحتاج إلى القدرة على تحويل الرؤية إلى برامج، والبرامج إلى تجربة تعليمية، والتجربة إلى أثر قابل للقياس والتطوير. إنها تحتاج إلى قيادة تصون روح الفن من جفاف الإدارة، وتحمي المؤسسة في الوقت نفسه من أن تصبح العاطفة الإبداعية بديلًا عن الانضباط والجودة.
في هذه المساحة تبرز تجربة علوان؛ فهو لم يصل إلى العمل الثقافي من باب الإدارة وحدها، ولم يصل إلى الإدارة متكئًا على شهرته الأدبية. بدأ مشروعه الروائي منذ مطلع الألفية، وراكم تجربة سردية امتدت من «سقف الكفاية» إلى «موت صغير» التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2017، وكتب مئات المقالات الصحفية على مدى سنوات. وسار، بالتوازي مع ذلك، في مسار مهني داخل القطاعين المالي والتجاري، وتلقى تعليمه العالي في إدارة الأعمال، قبل أن ينتقل إلى العمل الثقافي المؤسسي، فيقود قطاع الأدب والنشر والترجمة، ثم هيئة الأدب والنشر والترجمة، وبعدها هيئة المسرح والفنون الأدائية.
لا تكمن أهمية هذا المسار في تعدد المناصب، وإنما في وحدة الخبرة التي تقف خلفها؛ فالرجل الذي يعرف كيف تُكتب الرواية، ويعرف كذلك كيف تُبنى الخطة، لا ينظر إلى الثقافة بوصفها زينة فوق المشروع التنموي، ولا إلى الإدارة بوصفها سلطة تمارس على المبدعين. إن تجربته تضعه عند المساحة التي يلتقي فيها المعنى بالنظام، والموهبة بالمؤسسة، والخيال بالقدرة على الإنجاز، وهي المساحة نفسها التي تقوم عليها فكرة جامعة الرياض للفنون.
فالجامعة لا تنشأ لتضيف تخصصات جديدة إلى التعليم العالي، وإنما لتعيد تشكيل العلاقة بين التعليم الفني والإنتاج الثقافي. ذلك أن التحدي في تعليم الفنون لا يكمن في وجود التخصص وحده، بل في الطريقة التي يعمل بها داخل المنظومة؛ فالتخصص الجيد، حين يُعزل عن بيئة إنتاجية حاضنة، يشبه بذرة خصبة في أرض لا تهيئ لها أسباب النمو. وقد عرفت الجامعات العربية، في مراحل مختلفة، برامج فنية وإنسانية بقيت حبيسة القاعات، تقيس نجاح الطالب بعدد المقررات التي اجتازها، لا بما استطاع إنتاجه؛ فيدرس السينما من دون أن يصنع فيلمًا، والمسرح من دون أن يقف في فضاء عرض حقيقي، والموسيقى من دون أن يعيش تجربة الأداء، والإدارة الثقافية من دون أن يلامس مؤسسة أو جمهورًا أو سوقًا.
أما الجامعة التي تحتاجها المرحلة السعودية الجديدة، فلا يكفي أن تدرّس الفن، بل ينبغي أن تنتجه. وليس الفرق هنا في المناهج وحدها، وإنما في فلسفة التعليم ذاتها؛ فجامعة تدرّس الفن قد تمنح الطالب معرفة نظرية وشهادة أكاديمية، في حين تبني الجامعة المنتجة للفن حوله استوديوهات ومسارح ومعامل وورشًا ومشروعات مشتركة وحاضنات إبداعية، وتربطه منذ سنواته الأولى بالمؤسسات الثقافية ومنصات المحتوى وقطاعات الإنتاج. لهذا ينبغي لجامعة الرياض للفنون أن تكون أكثر من مؤسسة للتدريس؛ أن تصبح فضاءً يحتضن الفكرة منذ تشكلها الأول، ويرافقها حتى تتحول إلى عمل قابل للعرض، أو منتج ثقافي قابل للتداول، أو مشروع يمتلك أسباب الاستمرار.
يتطلب هذا الطموح نموذجًا جامعيًا تتكامل فيه المعرفة مع الإنتاج والممارسة المهنية والقدرة على المبادرة. فالمبدع المعاصر لا يعمل بمعزل عن التقنية أو الإدارة أو السوق؛ إذ يحتاج صانع الفيلم إلى فهم الفن والتقنيات الرقمية والإنتاج والتمويل والجمهور، ويحتاج الموسيقي إلى الموهبة والأداء ومعرفة حقوق الملكية وسبل الوصول إلى المتلقي، فيما يحتاج المسؤول عن أي جهة ثقافية إلى الحس الإبداعي بقدر حاجته إلى التخطيط والحوكمة. ولا يمكن لهذا التكامل أن يتحقق من دون بنية إنتاجية تتيح الممارسة؛ فلا تُعلَّم السينما من دون أدوات تصوير وإنتاج، ولا المسرح من غير فضاءات تدريب وعرض، ولا الفنون الرقمية من دون معامل وتقنيات تفتح المجال للتجريب. فالفن لا يُتعلَّم بالنظر إليه وحده، وإنما بممارسته، واختبار إمكاناته، والتعلم من عثراته، ثم إعادة بنائه.
كما يظل التعليم الفني محدود الأثر إذا انفصل عن السوق والمؤسسات الثقافية وقطاعات الإنتاج، مهما بلغ تماسكه داخل الجامعة. لذلك لا تمثل الشراكات مع المسارح والاستوديوهات وشركات الإنتاج والمنصات والمؤسسات الثقافية نشاطًا تكميليًا، بل ضرورة تمنح الطالب خبرة الواقع قبل التخرج، وتحفظ للأستاذ صلته بالتحولات الجارية في مجاله. ثم يأتي المسار الريادي ليكمل هذا النموذج؛ فبعض خريجي الفنون قد يتجهون إلى تأسيس مشروعاتهم ومنصاتهم ومؤسساتهم بدل انتظار الوظيفة التقليدية. ومن هنا تبرز قيمة الحاضنات الجامعية التي تنقل الفكرة الفنية من حيز الإمكان إلى مشروع قابل للحياة، دون أن تختزل الفن في الربح، بل تمنحه القدرة على الوصول والاستمرار وصناعة الأثر.
تلك هي النقلة الأعمق من الاحتفاء بالموهبة إلى بناء المؤسسة؛ فالموهبة، مهما بلغت، قد تظل تجربة فردية محدودة إذا لم تجد حولها نظامًا يكتشفها ويطورها ويفتح لها مسارًا مهنيًا. أما المؤسسة فتمنح التجارب المتفرقة ذاكرة مشتركة، وتحول النجاحات الفردية إلى قدرة وطنية قابلة للتراكم والاستمرار. لذا، عوضًا عن أن يبدأ كل مبدع من النقطة الأولى، يجد أمامه معرفة سبقه إليها آخرون، وتجربة يستطيع البناء عليها، وقطاعًا قادرًا على استيعاب ما ينتجه.
ليست الجامعة، بهذا المعنى، بديلًا عن الموهبة، وإنما بيئة تحميها من الهدر. فالفنان لا تصنعه الشهادة وحدها، لكن الدراسة الأكاديمية تستطيع أن توسع مداركه، وتمنحه أدوات لفهم تجربته، وتضعه في حوار مع تاريخ الفن ونظرياته وتقنياته، وتختصر أمامه مسافات طويلة من التجريب غير المنظم. قد لا تمنحه الجامعة صوته، لكنها تساعده على اكتشافه، وقد لا تخلق خياله، لكنها تمنحه الأدوات التي تمكّنه من التعبير عنه.
لا تقف الجامعة الجديدة خارج الاقتصاد؛ فقد تغير موقع الثقافة في المشروع السعودي، ولم تعد الفنون نشاطًا هامشيًا يأتي بعد اكتمال التنمية، بل أصبحت جزءًا من التنمية ذاتها، تصنع الوظائف، وتبني الصورة الوطنية، وتحرك السياحة، وتغذي صناعة المحتوى، وتمنح المدن شخصيتها، وتفتح أمام الإنسان السعودي مسارات مهنية لم تكن حاضرة بالوضوح نفسه من قبل. وحين تدرّس الجامعة المسرح والموسيقى والأفلام والفنون الأدائية والإدارة الثقافية، فإنها لا تخرّج فنانين فقط، بل تشارك في بناء قطاعات كاملة؛ فخلف العرض المسرحي كتابة وإخراج وإنتاج وتسويق وتقنيات وإضاءة وتصميم، وخلف الفيلم سلسلة طويلة من المهن، وخلف الفعالية الثقافية معرفة بالتخطيط والجمهور والتمويل والهوية والتواصل.
لذلك لا يمثل التعليم الفني المتخصص إنفاقًا على الترف، بل استثمارًا في اقتصاد متجدد يستند إلى الإنسان والمعرفة والمخيلة بقدر استناده إلى رأس المال. وهو اقتصاد لا تنضب موارده بالاستخدام؛ لأنها تنمو بالتجريب، وتتجدد بالابتكار، وتتسع كلما اتسعت قدرة المجتمع على التعبير عن ذاته. ومن هنا يصبح الفن قوة وطنية بما يصنعه من وظائف ومشروعات وأسواق، وبما يحفظه من ذاكرة يعيد تقديمها بلغة العصر، وبما يفتحه من مساحات للتعبير والحوار، فضلًا عما يتيحه للمملكة من مخاطبة العالم بأفلامها وموسيقاها ومسرحها وقصصها، وما يمنحه للفرد من قدرة أعمق على فهم ذاته والتعبير عنها.
لا تعني جامعة الرياض للفنون، وفق هذا التصور، أن الفن دخل الجامعة فحسب، بل تعني أن الجامعة نفسها تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع والاقتصاد. فلم يعد التعليم العالي محصورًا في تخصصات اعتادت المجتمعات النظر إليها بوصفها وحدها منتجة؛ إذ اتسعت دائرة الإنتاج لتشمل الفكرة والصورة والقصة والصوت والعرض والهوية. فالعالم الجديد لا يتنافس على الموارد المادية وحدها، بل على من يروي الحكاية، ومن يصنع الصورة، ومن يمتلك القدرة على تحويل ثقافته إلى حضور في ذاكرة الآخرين. والدول لا تُعرف بما تنتجه من سلع فقط، وإنما بما تنتجه من معانٍ، وما تتركه من رموز، وما تمنحه للإنسانية من سرد وجمال وخيال.
يأتي تأسيس الجامعة متناغمًا، من هذه الزاوية، مع روح رؤية المملكة 2030 التي لم تضع الثقافة في هامش التحول الوطني، بل جعلتها جزءًا من جودة الحياة وتنويع الاقتصاد وتعزيز الهوية وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان السعودي. فالرؤية لم تتعامل مع الثقافة بوصفها ذاكرة نحفظها وحدها، وإنما بوصفها طاقة نصنع بها المستقبل. غير أن التحدي الأكبر أمام الجامعة لن يكون إطلاق البرامج، بل بناء النموذج؛ فالبرامج يمكن الاستفادة في تصميمها من جامعات عريقة، والمقررات يمكن تطويرها بالشراكة مع مؤسسات دولية، والخبرات يمكن استقطابها، لكن الشخصية الأكاديمية لا تُستورد. إنها تُبنى من الداخل، من فهم المجتمع الذي تنتمي إليه الجامعة، ومن الوعي باللحظة التي وُلدت فيها، ومن قدرتها على الإفادة من العالم دون أن تتحول إلى نسخة منه.
ولم يولد هذا التحول الثقافي من فراغ، بل جاء في ظل رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي نقل الثقافة في رؤية المملكة 2030 من مجال الدعم المعنوي إلى صميم البناء الوطني. فمن إنشاء وزارة الثقافة، إلى تأسيس الهيئات المتخصصة، وإطلاق برامج الابتعاث والتمويل والجوائز والمنصات والمهرجانات، ثم تأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية وجامعة الرياض للفنون، يتضح أن المسألة لم تكن زيادة في عدد الكيانات، وإنما بناء منظومة تستعيد للثقافة موقعها في تشكيل الإنسان، وتعزيز الهوية، وتنويع الاقتصاد، وتقديم المملكة إلى العالم بالصورة التي تليق بتاريخها وطموحها.
وفي هذا المسار، ينهض معالي وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان بدور يتجاوز إدارة قطاع ثقافي إلى ترجمة رؤية القيادة في مؤسسات وبرامج ومسارات قابلة للنمو والاستمرار. لذلك يبدو اختيار سعادة الدكتور محمد حسن علوان لرئاسة الجامعة حلقة منسجمة في سلسلة من القرارات التي لم تبحث عن إدارة الفن من خارجه، بل عن قيادات تجمع فهم الثقافة إلى القدرة على بناء مؤسساتها.
قد يكون من السهل إنشاء جامعة للفنون تشبه غيرها في الشكل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء جامعة تشبه المملكة في طموحها، وتنتمي إلى عصرها، وتفهم أن الفن ليس مجرد تعبير فردي، بل مساحة تلتقي فيها الهوية والاقتصاد والتعليم والمجتمع. جامعة لا تعلّم الطالب كيف ينتج عملًا فنيًا فحسب، وإنما كيف يفهم مسؤوليته تجاه ما ينتجه، وكيف يحول موهبته إلى مهنة، ومهنته إلى قيمة، وقيمته إلى أثر يتجاوز حضوره الشخصي. كما لا تجعل الأصالة قيدًا على التجريب، أو الانفتاح قطيعة مع الهوية، بل تمنح الطالب الثقة بأن صوته المحلي يستطيع أن يبلغ العالم دون أن يتخلى عن نفسه.
الجامعة الجديرة بهذا المشروع ليست التي تنقل المناهج إلى قاعاتها، بل التي تنتج معرفة جديدة من تجربتها، وتقرأ الثقافة السعودية قراءة أكاديمية عميقة، وتوثق تحولات المسرح والموسيقى والسينما والفنون الأدائية، وتصبح مرجعًا للقطاع، لا مجرد مزود له بالخريجين. فالمؤسسة الأكاديمية الحقيقية لا تلاحق السوق وحده، بل تساعد على تشكيله، ولا تستجيب لاحتياجات الحاضر فقط، بل تستشرف المهن والأشكال الفنية التي لم تولد بعد. وقد تخرج منها أعمال لا نعرف أسماءها اليوم، ومهن لم تدخل بعد قوائم التوظيف، وتقنيات ستغير طرائق إنتاج الفن وتلقيه.
في هذا السياق، يصبح الجمع بين الروائي والإداري في شخصية الرئيس المؤسس أكثر من تفصيل في سيرته الذاتية؛ فالروائي يعرف أن الشخصيات لا تُبنى من الخارج، وأن البناء الحقيقي يبدأ من الدافع والمعنى والتكوين الداخلي، فيما يعرف الإداري أن المعاني، مهما بلغت عظمتها، لا تتحول إلى واقع من دون أنظمة وموارد وخطط ومساءلة. وجامعة بحجم الطموح الذي تمثله جامعة الرياض للفنون تحتاج إلى النظرتين معًا: من يراها حكاية وطنية ينبغي أن تُكتب بعناية، ومن يراها مؤسسة ينبغي أن تقف على أرض صلبة.
مع ذلك، لا ينبغي أن يُختزل الرهان في شخص، مهما بلغت خبرته؛ فنجاح الجامعة سيكون نجاحًا لمنظومة كاملة تضم مجلسها وقياداتها الأكاديمية وأعضاء هيئة تدريسها وطلابها وشركاءها، ويُقاس بكفاءة أنظمتها، وقدرتها على استقطاب أفضل الخبرات، ومرونتها في الاستجابة لقطاع سريع التحول. ولا تكمن قيمة اختيار الرئيس المؤسس في صناعة بطولة فردية، بل في قدرته على بناء مؤسسة تتجاوز مؤسسها، وتحفظ رؤيتها من أن تُختزل في شخص أو مرحلة زمنية محددة. فالمؤسسة الناجحة ليست التي يظل اسم قائدها أكبر من اسمها، وإنما التي يضع قائدها فيها ما يجعلها قادرة على الاستمرار والنمو بعده؛ إذ لا يصنع الرئيس المؤسس الحقيقي أتباعًا، بل يبني نظامًا، ولا يملأ المساحات باسمه، بل يملؤها بالكفاءات، ولا يحتكر الرؤية، بل يحولها إلى ثقافة مؤسسية مشتركة.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي