د. غالب محمد طه
لا شيء نستخدمه كل يوم ونفكر فيه أقل من الماء. نفتح الصنبور فينساب بلا تردد، كأنه كان هنا دائماً. غير أن الكأس التي نرفعها إلى أفواهنا هي المحطة الأخيرة في رحلة بدأت قبل آلاف السنين، وتعاقبت عليها أجيال من الساعين والزارعين والمهندسين وصناع القرار.
في جزيرة العرب، حيث الندرة سمة من سمات المكان وليست استثناءً جغرافياً، لم يكن الماء مجرد مورد طبيعي. كان السؤال الذي تشكلت حوله طرق العيش، وأنماط العمران، وأخلاق المجتمع.
ولهذا تبدو تسمية المملكة لعام 2027 بـ»عام الماء»، واستضافة الرياض المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه، أكثر من مناسبة دولية. إنها فرصة لإعادة اكتشاف علاقة الإنسان بهذا المورد؛ علاقة بدأت بالبحث عن الحياة، ثم أصبحت بحثاً عن حسن إدارتها، وربما غدت اليوم بحثاً عن المحافظة على قيمتها بعد أن أصبحت في متناول اليد.
كلما فتحت صنبوراً في أي بيت في المملكة، تذكرت أن هذه القطرة التي تبدو عادية لم تصل إلى هنا بالمصادفة. وراءها آلاف السنين من التجربة الإنسانية. وما نراه فعلاً هو نهاية القصة.
كانت البداية في وادٍ مقفر لا زرع فيه ولا ماء.
هناك تُركت هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، في مشهد تختلط فيه قسوة الطبيعة بقوة اليقين. وحين اشتد العطش، لم تستسلم الأم لليأس. راحت تسعى بين الصفا والمروة سبع مرات، تبحث عن سبب للحياة قبل أن تنتظر معجزة من السماء.
سعيها لم يكن مجرد حركة في الصحراء. كان إعلاناً أن الحياة تبدأ بالسعي قبل أن تأتي المنحة.
ثم تفجر الماء من تحت قدمي إسماعيل.
زمزم.
منذ ذلك اليوم، لم يعد زمزم مجرد بئر. صارت رمزاً يلتقي عندما الإيمان بالتاريخ والجغرافيا. وحول هذا الماء نشأت واحدة من أقدم صور الخدمة العامة في الجزيرة العربية؛ السقاية. فإيصال الماء إلى الناس لم يكن عملاً خدمياً فقط، بل شرفٌ ومسؤولية تتوارثها الأجيال. حتى غدت خدمة الحجاج بالماء جزءاً من هوية المكان نفسه.
وحين قامت الدولة السعودية الحديثة، لم تنظر إلى زمزم باعتباره إرثاً تاريخياً فحسب. نظرت إليه باعتباره مسؤولية مستمرة. فجدد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أسبلة زمزم، وأنشأ غيرها لخدمة الحجاج. ثم توالت مراحل التطوير حتى أصبحت منظومة زمزم اليوم نموذجاً يجمع بين قدسية المورد ودقة الإدارة الحديثة.
لكن زمزم، على مكانتها الاستثنائية، لم تكن القصة كلها.
الإنسان في جزيرة العرب لم ينتظر دائماً أن يعثر على الماء. تعلم أن يقرأ الأرض بحثاً عنه. وقسوة البيئة كانت معلمًا قاسياً، علمته أن الندرة لا تعني العجز، وأن كل قطرة تحتاج إلى عقل قبل أن تحتاج إلى وعاء.
في واحة الأحساء، حيث تتجاور العيون الطبيعية مع البساتين الممتدة، كان الماء نظاماً اجتماعياً كاملاً. العيون والآبار والقنوات لم تكن منشآت هندسية فقط، وإنما منظومة تنظم الحقوق، وتحدد أوقات الري، وتضمن أن تصل المياه إلى الجميع بأكبر قدر من العدالة والكفاءة. بقاء الأحساء واحة نابضة بالحياة عبر قرون طويلة لم يكن بسبب كثرة الماء وحدها، وإنما بسبب الثقافة التي أحاطت به.
ثم جاء الإسلام.
لم يغيّر علاقة الإنسان بالماء من الناحية التعبدية وحدها. نقلها إلى مستوى أخلاقي أعمق. جعل الماء من الحقوق المشتركة بين الناس، وربط الانتفاع به بمسؤولية عدم الإضرار بالآخرين.
لذلك كان من اللافت أن ينهى النبي - صلى الله عليه وسلم- سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن الإسراف في الوضوء، حتى وهو على نهر جارٍ. المقصد لم يكن الخوف من نفاد الماء، وإنما تهذيب الإنسان حتى لا تتحول النعمة إلى عادة تفقده الإحساس بقيمتها.
وتجسد هذا المعنى في قصة بئر رومة، حين اشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه وجعلها وقفاً للمسلمين. فالماء لم يكن سلعة يحتكرها الأقوى، وإنما باب من أبواب الخير المستمر، واستثمار في حياة الناس قبل أن يكون استثماراً في الأرض.
ثم دخلت الحكاية فصلاً جديداً.
لم يعد السؤال كيف يُعثر على الماء. أصبح السؤال: كيف يمكن توفيره لدولة تتسع مدنها، ويتزايد سكانها، وتتنامى احتياجاتها التنموية، بينما تظل طبيعتها المائية من أكثر البيئات جفافاً في العالم؟
المياه الجوفية، على أهميتها، ليست مورداً لا ينضب. كثير من خزاناتها تكونت عبر آلاف السنين، ولا تستطيع الطبيعة أن تعوضها بالسرعة التي يستهلكها الإنسان.
كان على المملكة أن تواجه السؤال القديم بإجابة لم تعرفها المنطقة من قبل.
إذا كانت الصحراء لا تمنح ما يكفي، وإذا كانت الأمطار موسمية محدودة، وإذا كانت المياه الجوفية تحتاج إلى إدارة دقيقة، فلماذا يبقى البحر مجرد حدود جغرافية؟
من هنا بدأت واحدة من أكثر التجارب الهندسية طموحاً في العصر الحديث.
تحلية مياه البحر لم تكن مجرد مشروع تقني. كانت تحولاً في طريقة التفكير. فبدلاً من انتظار الماء أو البحث عنه، أصبح الإنسان قادراً على صناعته، مستفيداً من العلم والتقنية والطاقة.
ومع مرور العقود، لم تعد التحلية مشروعاً منفصلاً. صارت جزءاً من منظومة متكاملة تشمل الإنتاج، والنقل، والخزن، والتوزيع، وإعادة الاستخدام، ورفع كفاءة الاستهلاك. الإنجاز الحقيقي لم يكن في إنتاج المياه فحسب، وإنما في القدرة على إيصالها إلى مدن وقرى تفصل بينها مئات الكيلومترات، عبر شبكة معقدة تعمل على مدار الساعة.
واليوم أصبحت هذه المنظومة توفر أكثر من 16 مليون متر مكعب من المياه يومياً، بعد أن كانت تقارب تسعة ملايين متر مكعب يومياً قبل عقد. ولم يعد التحول يقتصر على زيادة الإنتاج، بل شمل أيضاً تقليل الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة، في انتقال يعكس تغيراً في فلسفة إدارة المورد نفسه.
وبين البحر والصنبور، تختفي رحلة لا يراها أحد.
وربما لهذا السبب تراجعت دهشتنا بالماء؛ فنحن لا نرى إلا آخر خطوة في رحلته.
على امتداد التاريخ، كان الإنسان يرى الطريق الذي يقطعه الماء حتى يصل إليه. كان يرى البئر، أو العين، أو القناة، أو الساقية. وكانت هذه المشقة اليومية تخلق احتراماً تلقائياً لكل قطرة.
أما اليوم، فقد اختفت الرحلة عن أعيننا.
لم نعد نرى البحر، ولا المحطة التي نزعت ملوحته، ولا الأنابيب التي عبرت به الصحارى، ولا غرف التحكم التي تراقب تدفقه، ولا آلاف العاملين الذين يقفون خلف هذا المشهد الهادئ.
كل ما نراه هو صنبور يُفتح.
كلما أصبحت النعمة أقرب إلى أيدينا، ابتعدت عن وعينا. وما كان الأجداد يشعرون بقيمته لأنهم عاشوا مشقته، أصبحنا نكاد ننساه.
واليوم تغير التحدي. لم يعد إنتاج مزيد من المياه هو القضية، وإنما حسن استخدام ما ننتجه. من كفاءة الاستهلاك إلى إعادة الاستخدام، ومن البنية التحتية إلى التقنيات التي تجعل كل قطرة أكثر قيمة.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يطرحه «عام الماء».
المملكة قطعت شوطاً كبيراً في تطوير قدرتها على توفير المياه. لكن المرحلة المقبلة لا تقاس بعدد المحطات التي تُبنى، بقدر ما تقاس بثقافة المجتمع في التعامل مع المورد بعد وصوله إليه.
الترشيد يبدأ حين ننظر إلى القطرة فلا نرى ماءً فحسب، بل رحلة كاملة انتهت عند الصنبور.
وهكذا، إذا تأملنا هذه الرحلة الطويلة، وجدنا أن لكل عصر وسيلته في الوصول إلى الماء.
هاجر سعت. وأهل الواحات أتقنوا إدارة العيون والأفلاج. والمجتمعات الإسلامية جعلت السقاية والوقف باباً من أبواب الخير. والدولة السعودية الحديثة شيدت محطات التحلية، ومدت شبكات النقل، وطورت منظومة مائية تعد من الأكبر في العالم.
اختلفت الوسائل، لكن الغاية بقيت واحدة: أن تستمر الحياة.
واليوم، وبعد أن نجح الإنسان في استخراج المياه من أعماق الأرض، وفي تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نحصل على الماء؟
أصبح السؤال الأصعب: كيف نحافظ على قيمته؟
في المرة القادمة التي تفتح فيها الصنبور، تذكر أن الماء الذي يملأ كأسك لم يبدأ رحلته هنا. قد لا يتغير شيء في الماء. لكن ربما يتغير شيء في نظرتك إليه.
لقد ظلت الصحراء كما هي.
لكن الإنسان تعلّم أن يقرأها بصورة أفضل.