غانم بن عبدالله سعد آل غانم
عندما أعلن مجلس الوزراء، برئاسة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- تسمية عام (2027م) بـ«عام الماء»، لم يكن القرار مناسبةً بيئية عابرة، بل رسالة وطنية عميقة تؤكد أن المياه أصبحت إحدى ركائز الأمن الوطني، والتنمية المستدامة، وجودة الحياة، وأن المحافظة عليها مسؤولية مجتمعية تبدأ من الفرد، وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والتطوعية والقطاع غير الربحي.
ومن هنا، فإنني أرى أن جمعية الكشافة العربية السعودية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، لتكون الشريك الوطني الأبرز في تحويل «عام الماء» إلى مشروع تربوي وسلوكي مستدام، يصل إلى مئات الآلاف من الفتية والشباب في المدارس والجامعات والأندية والقطاعات الحكومية والأهلية.
فالحركة الكشفية ليست جهة تنظم المخيمات والرحلات فحسب، وإنما هي مدرسة عالمية لبناء الإنسان، وتعليم الشباب كيف يتعلمون بالممارسة، ويقودون مجتمعاتهم بالفعل قبل القول؛ ولهذا فإنها الأقدر على تحويل المحافظة على المياه من شعارات ترفع، إلى ممارسات يومية يعيشها الكشاف في منزله ومدرسته ومعسكره وبيئته.
إن العالم اليوم ينظر إلى المياه بوصفها أحد أهم تحديات المستقبل؛ ورغم ما تبذله المملكة من جهود رائدة في إنتاج المياه وتحليتها وإدارتها، فإن المحافظة على كل قطرة ماء أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية، تتطلب بناء ثقافة مجتمعية جديدة، والكشافة تمتلك الأدوات التربوية القادرة على غرس هذه الثقافة منذ الصغر.
وأرى أن تطلق الجمعية مشروعاً وطنياً شاملاً بعنوان: «البرنامج الكشفي الوطني لعام الماء 2027»؛ ليكون أكبر برنامج كشفي بيئي في تاريخ الجمعية، وليمتد طوال العام في جميع قطاعاتها، ويقوم على أربعة محاور رئيسة:
أولاً: التربية والتثقيف
ويهدف إلى بناء المعرفة البيئية لدى جميع المراحل الكشفية، من خلال إدراج موضوعات الأمن المائي، وترشيد الاستهلاك، وإعادة استخدام المياه، والمياه الرمادية، والتغير المناخي، والتحلية، ضمن المناهج الكشفية والدراسات والدورات القيادية، مع استضافة المختصين من الجهات ذات العلاقة لتقديم محاضرات وورش عمل متخصصة.
ثانياً: التطبيق العملي
وهنا يكمن جوهر العمل الكشفي؛ فكل معسكر أو مخيم أو دراسة كشفية ينبغي أن يتحول إلى نموذج عملي لترشيد استهلاك المياه، من خلال قياس الاستهلاك اليومي، واستخدام أدوات الترشيد، وتوثيق النتائج، وتشجيع الطلائع على التنافس في خفض معدلات الهدر، مع تنفيذ مشروعات لإعادة استخدام المياه الرمادية في المواقع التي تسمح بذلك، بما يعزِّز التعلّم بالممارسة.
ثالثاً: خدمة المجتمع
ويتضمن إطلاق حملات وطنية لتنظيف الأودية والشواطئ والعيون الطبيعية والمتنزهات، بالتعاون مع الجهات الحكومية والأمانات والبلديات والجمعيات البيئية، إضافة إلى تنفيذ برامج توعوية في المدارس والمساجد والحدائق العامة والمجمعات التجارية، ليصبح كل كشاف سفيراً للمياه في مجتمعه.
رابعاً: الابتكار والاستدامة
ويشمل إطلاق مسابقات وطنية للأفكار الإبداعية في ترشيد المياه، وتصميم تطبيقات رقمية، وإنتاج أفلام قصيرة، وتنفيذ مبادرات شبابية مبتكرة، وربط ذلك بجوائز سنوية تحمل اسم «جائزة الكشاف المتميز في المحافظة على المياه».
ولكي يتحول البرنامج إلى عمل منظم، يمكن توزيع المبادرات على أشهر العام، لتكون رحلة وطنية متكاملة.
يناير: الإعلان الرسمي عن البرنامج، وإطلاق الهوية البصرية وشعار «كل قطرة.. مسؤولية».
فبراير: أسبوع وطني للتوعية في جميع الوحدات الكشفية، يتضمن محاضرات ومعارض وورش عمل عن الأمن المائي.
مارس: إعادة إطلاق المشروع التاريخي للجمعية «الماء هو الحياة»، الذي نفذته عام 2003، وتحديثه ليتناسب مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 .
أبريل: إدراج شارات الهواية الخاصة بالمياه والاستدامة والبيئة ضمن جميع المراحل الكشفية، وربط الحصول عليها بتنفيذ مشاريع ميدانية حقيقية.
مايو: تنفيذ مشروع «بيتي يوفر الماء»، حيث يسجل كل كشاف استهلاك أسرته للمياه أسبوعياً، ويقترح وسائل عملية لخفضه، ثم يقارن النتائج قبل وبعد تنفيذ المبادرة.
يونيو: تنظيم معسكرات صيفية بعنوان «معسكر بلا هدر»، تُطبَّق فيها جميع وسائل ترشيد المياه عملياً، وتُوثَّق النتائج بالأرقام.
يوليو: تنفيذ حملات لتنظيف الأودية والمتنزهات ومجاري السيول، بالتعاون مع البلديات والجهات البيئية.
أغسطس: تنظيم زيارات تعليمية لمحطات التحلية، والسدود، ومحطات معالجة المياه، لتعريف الكشافين بالجهود الوطنية في هذا المجال.
سبتمبر: إطلاق مسابقة وطنية لأفضل مبادرة كشفية في ترشيد المياه، وأفضل فيلم قصير، وأفضل ابتكار شبابي.
أكتوبر: تخصيص المخيمات الخلوية والخريفية لتطبيق برامج الاستدامة البيئية وقياس البصمة المائية للمخيم.
نوفمبر: عقد ملتقى علمي بعنوان «الكشافة والمياه والتنمية المستدامة»، بمشاركة الجامعات والجهات المختصة.
ديسمبر: إعلان نتائج البرنامج، وتكريم الوحدات والقطاعات والقادة والكشافين المتميزين، وإصدار تقرير وطني يوثِّق الأثر المجتمعي للبرنامج.
وسيكون من المهم أن ترتبط جميع هذه المبادرات بأهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف السادس المتعلِّق بالمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، والهدف الثاني عشر الخاص بالاستهلاك المسؤول، والهدف الرابع عشر المتعلِّق بالحياة تحت الماء، ليصبح الكشاف السعودي شريكاً عملياً في تحقيق الالتزامات الدولية للمملكة.
أن الكشافة السعودية قادرة اليوم في هذه المناسبة على تقديم تجربة أكثر شمولاً، لأنها تعمل في وطن جعل الاستدامة إحدى ركائز رؤيته الطموحة، واستثمر مليارات الريالات في مشاريع المياه والتحلية وحماية البيئة؛ ويبقى عنصر بالغ الأهمية، وهو إعادة تفعيل شارات الهواية المرتبطة بالمياه، بحيث لا يحصل عليها الكشاف بمجرد حضور محاضرة، بل بعد أن يقيس استهلاك المياه في منزله، وينفذ مبادرة مجتمعية، ويشارك في تنظيف موقع بيئي، ويزور منشأة مائية، ويقدِّم مشروعاً توعوياً، ويثبت بالأرقام أثر المبادرة التي نفذها.
إن نجاح «عام الماء» لن يُقاس بعدد الندوات أو المنشورات، وإنما بعدد السلوكيات التي تغيَّرت، وعدد البراعم والشباب الذين أصبحوا يؤمنون بأن المحافظة على الماء ليست خياراً، بل واجب وطني وديني وإنساني؛ ولذلك فإنني أتطلع إلى أن تعلن جمعية الكشافة العربية السعودية، منذ الأشهر الأولى، عن إطلاق «البرنامج الكشفي الوطني لعام الماء 2027»، ليكون إحدى أهم المبادرات المجتمعية المصاحبة لهذا العام، وليقدِّم للعالم نموذجاً سعودياً يجمع بين التربية والعمل التطوعي والاستدامة، ويؤكد أن الكشاف السعودي لا يكتفي بخدمة وطنه في مواسم الحج والكوارث والمناسبات الوطنية، بل يشارك أيضاً في حماية أهم ثرواته الطبيعية.. الماء، سر الحياة، وأمانة الأجيال.